﴿وقالوا هاذه﴾ إشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم ﴿أنعام وحرث حجر﴾ أي : حرام ﴿لا يطعمهآ﴾ بالفارسي (نشد وتخورد آنرا) ﴿إلا من نشآء﴾ يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء.
﴿بزعمهم﴾ أي قالوه ملتبسين بزعمهم الباطل من غير حجة ﴿وأنعام﴾ خبر مبتدأ محذوف والجملة معطوفة على قوله تعالى هذه أنعام أي قالوا مشيرين إلى طائفة أخرى من أنعامهم أي وهذه أنعام.
﴿حرمت ظهورها﴾ يعنون بها البحائر والسوائب والحوامي.
﴿وأنعام﴾ أي : وهذه أنعام كما مر وقوله تعالى.
﴿لا يذكرون اسم الله عليها﴾ صفة لأنعام لكنه غير واقع في كلامهم المحكي كنظائره بل مسوق من جهته تعالى تعيينا للموصوف وتمييزا له عن غيره ، كما في قوله تعالى : ﴿إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ (النساء : 157) على أحد التفاسير كأنه قيل وأنعام ذبحت على الأصنام فإنها التي لا يذكر عليها اسم الله وإنما يذكر عليها الأصنام ﴿افترآء عليه﴾ أي : افتروا على الله افتراء ، يعني : أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن الله تعالى أمرهم به.
﴿سيجزيهم﴾ بالفارسي (زود باشدكه خدا جزادهد ايشانرا).
﴿بما كانوا يفترون﴾ أي بسبب افترائهم.
﴿وقالوا ما فى بطون هاذه الانعام﴾ يعنون به أجنة البحائر والسوائب ﴿خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ أي : حلال للرجال خاصة دون الإناث وتأنيث خالصة محمول على معنى ما تذكير محرم محمول على لفظه وهذا الحكم منهم إن ولد ذلك حيا.
﴿وإن يكن ميتة﴾ أي : ولدت ميتة.
﴿فهم فيه﴾ أي : ما في بطون الأنعام.
﴿شركآء﴾ يأكلون منه جميعا ذكورهم وإناثهم ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ أي : جزاء وصفهم الكذب على الله تعالى في أمر التحليل والتحريم.
﴿إنه حكيم عليم﴾ تعليل للوعد بالجزاء فإن الحكيم العليم بما صدر عنهم لا يكاد يترك جزاءهم الذي هو من مقتضيات الحكمة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 109
﴿قد خسر الذين قتلوا أولادهم﴾ جواب قسم محذوف وهم ربيعة ومضر وأضرابهم من العرب الذين كانوا يئدون بناتهم
110
محافظة السبي والفقر ، أي : خسروا دينهم ودنياهم بالفارسي (زيان كردند).
﴿سفها بغير علم﴾ متعلق بقتلوا على أنه علة له وبغير علم صفة لسفها ، أي : لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله تعالى هو الرزاق لهم ولأولادهم ﴿وحرموا﴾ على أنفسهم ﴿ما رزقهم الله﴾ من البحائر ونحوها.
﴿افترآء على الله﴾ أي : افتروا على الله افتراء حيث قالوا إن الله أمرهم بها.
﴿قد ضلوا﴾ عن الطريق المستقيم ﴿وما كانوا مهتدين﴾ إليه وإن هدوا بفنون الهدايات روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا من أصحابه كان لا يزال مغتما بين يديه فقال عليه السلام : "مالك تكون محزونا" فقال يا رسول الله إني قد أذنبت في الجاهلية ذنبا ، فأخاف أن لا يغفر لي وإن إسلمت فقال عليه السلام : "أخبرني عن ذنبك" فقال : يا رسول الله إني كنت من الذين يقتلون بناتهم ، فولدت لي بنت فشفعت إلي امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت فصارت من أجمل النساء فخطبوها ، فدخلت علي الحمية ولم يتحمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج ، فقلت للمرأة : إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلل ، وأخذت علي المواثيق بأن لا أخونها فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ، ففطنت الجارية بي أني أريد أن ألقيها في البئر فالتزمتني وجعلت تبكي ، وتقول يا أبي أي شيء تريد أن تفعل بي؟ فرحمتها ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية ، ثم التزمتني وجعلت تقول يا أبي لا تضيع أمانة أمي؟ فجعلت مرة أنظر إلى البئر ومرة أنظر إليها وأرحمها وغلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة ، وهي تنادي في البئر يا أبي قتلتني فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت فبكى رسول الله وقال : "لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك بما فعلت".
واعلم أنهم لما انسد عليهم طريق الثقة بالله حملتهم خشية الفقر على قتل الأولاد ، ولذلك قال أهل التحقيق : من أمارات اليقين وحقائقه كثرة العيال على بساط التوكل.
جزء : 3 رقم الصفحة : 109
قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر : من دخل هذا الطريق وهو ذو زوج فلا يطلق أو عزب فلا يتزوج حتى يكمل فإذا كمل فهو في ذلك على ما يلقى إليه ربه انتهى ، واختار أكثر الكمل موت أولادهم لأن كل ما يشغل الطالب عن الله من الأموال والأولاد فهو فتنة.