فعلى العاقل أن لا يسامح في باب الدين ، بل يجتهد في تحصيل اليقين فإن الاجتهاد باب لهذا التحصيل ووسيلة في طريقة التكميل ، وإن كان الله تعالى هو الموصل برحمته الخاصة والمؤثر في كل الأمور اللهم اجعلنا من أهل التوحيد الحقاني وشرفنا بالإيمان العياني فإنك الغني ونحن الفقراء.
جزء : 3 رقم الصفحة : 107
﴿وجعلوا﴾ أي : مشركوا العرب.
﴿مما ذرأ﴾ أي : خلق ﴿من الحرث﴾ أي : الزرع ﴿والانعام نصيبا﴾ ولشركائهم أيضا نصيبا.
﴿فقالوا هاذآ﴾ النصيب ﴿بزعمهم﴾ أي : بادعائهم الباطل من غير أن يكون ذلك بأمر الله تعالى.
﴿وهاذا لشركآاانا﴾ أي : آلهتنا التي شاركونا في أموالنا من المتاجر والزروع والأنعام وغيرها فهو من الشركة لا من الشرك ، والإضافة إلى المفعول روي إنهم كانوا يعينون شيئا من الحرث والنتاج ، ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين وشيئا منهما لآلهتهم ، وينفقونه على سدنتها ويذبحونه عندها ، ثم إن رأوا ما عينوا الله أزكى رجعوا وجعلوه لآلهتهم وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه معتلين بأن الله تعالى غني ، وما ذلك إلا لحب آلهتهم وإيثارهم لها.
﴿فما كان لشركآااهم﴾ من نماء الحرث والأنعام ﴿فلا يصل إلى الله﴾ أي : إلى المساكين والأضياف ، وقالوا : لو شاء الله زكى نصيب نفسه.
﴿وما كان﴾ من ذلك النماء ﴿فهو يصل إلى شركآااهم﴾ بذبح النسائك عندها والأجراء على سدنتها ؛ لأنهم إذا لم ينم نصيب الآلهة يبدلون ذلك النامي الذي عينوهتعالى ويجعلونه لآلهتهم.
﴿سآء ما يحكمون﴾ أي : ساء الذي يحكمون حكمهم فيما فعلوا من إيثار آلهتهم على الله تعالى وعملهم بما لم يشرع لهم.
جزء : 3 رقم الصفحة : 109
﴿وكذالك﴾ ومثل ذلك التزيين وهو تزيين الشرك في قسمة القربان بين الله تعالى وبين آلهتهم.
﴿زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركآؤهم﴾ أي : أولياؤهم من الجن أو من السدنة فقوله : قتل مفعول زين وشركاؤهم فاعله وكان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم أحياء خوفا من الفقر أو من التزويج أو من السبي وكان الرجل منهم يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله روي أن عبد المطلب رأى في المنام أنه يحفر زمزم ونعت له موضعها وقام يحفر وليس له ولد يومئذ إلا الحارث ، فنذر لئن ولد له عشرة نفر ثم بلغوا لينحرن أحدهمتعالى عند الكعبة ، فلما تموا عشرة أخبرهم بنذره فأطاعوه وكتب كل واحد منهم اسمه في قدح فخرج على
109
عبد الله فأخذ الشفرة لينحر فقامت قريش من أنديتها ، فقالوا لا تفعل حتى ننظر فيه فانطلق به إلى عرافة ، فقالت : قربوا عشرا من الإبل ثم اضربوا عليه وعليها القداح فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم ، وإذا خرجت على الإبل فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم فقربوا من الإبل عشرا فخرج على عبد الله فزاد عشرا عشرا ، فخرجت في كل مرة على عبد الله إلى أن قرب مائة فخرج القدح على الإبل فنحرت ، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا سبع ولذلك قال عليه السلام : "أنا ابن الذبحين" يريد أباه عبد الله وإسماعيل عليه السلام.
﴿ليردوهم﴾ أي : ليهلكوهم بالإغواء ﴿وليلبسوا عليهم دينهم﴾ وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل عليه السلام ، واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين ، وللعاقبة إن كان من السدنة لظهور أن قصد السدنة لم يكن إلا رداء واللبس وإنما كان ذلك قصد الشياطين.
﴿ولو شآء الله﴾ أي : عدم فعلهم ذلك.
﴿ما فعلوه﴾ أي : ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل.
﴿فذرهم وما يفترون﴾ الفاء فصيحة أي : إذا كان ما فعلوه بمشيئة الله تعالى فدعهم وافتراءهم على الله أنه أمرهم بدفن بناتهم أحياء فإن الله تعالى مع قدرته عليهم تركهم فاتركهم أنت فإن لهم موعدا يحاسبون فيه ولله تعالى فيما شاء حكم بالغة.
جزء : 3 رقم الصفحة : 109