تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنهم إبراهيم بن أدهم حيث اجتمع بولده بمكة فرأى في قلبه ميلا إليه ، فقال : إلهي أمتني أو هذا مشيرا إلى ولده فمات ، والأنسب أن يدفعه من قلبه بالتوحيد ولا يدعو عليه بالموت لأن الدعاء تصرف من عند نفسه والمتصرف في الحقيقة هو الله فإذا أدخل عبده في أمر لا يتولى العبد إخراج نفسه منه بل يصبر وينتظر إلى أمر الله تعالى ، وقلة المال مع كثرة العيال والصبر عليها من المجاهدات المعتبرة عند السلاك.

قال حضرة الشيخ أفتاده أفندي : خطابا لحضرة الهدائي إذا أظهر أهل بيتك جوعا شديدا ورأيتهم قد أشرفوا على الهلاك فعليك أن تتوكل على الله وتسلم الأمر إليه بأن تقول عن صميم قلبك لا بمجرد لسانك إلهي ، أنا عبد ذليل مثلهم ، وهم عبادك فأمري وأمرهم إليك لا أحل أنا بينك وبين عبادك يتم المقصود بالسهولة ، ويقضي الرب جميع حوائجك ، قال : ويكون توكل الطالب على وجه لو أن أولاده ماتوا من الجوع لما

111

عليهم ، بل قال هذا الرب وهذا عبده وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد قال الصائب :

فكر آب أو دانه در كنج قفس بيجاصلست

زير رخ انديشه روزي را اشد مراد

جزء : 3 رقم الصفحة : 109

﴿وهو الذى أنشأ﴾ أي : خلق يقال نشأ الشيء نشأة إذا ظهر وارتفع وأنشأه الله تعالى ، أي : أظهره ورفعه.

﴿جنات﴾ أي : بساتين من الكروم.

﴿معروشات﴾ أي : مرفوعات على ما يحملها من خشب ونحوه.

﴿وغير معروشات﴾ ملقيات على وجه الأرض ، فإن بعض الأعناب يعرش وبعضها لا يعرش بل يلقى على وجه الأرض منبسطا أو المعروشات الأعناب التي يجعل لها عروش وغير المعروشات كل ما نبت منبسطا على وجه الأرض مثل القرع والبطيخ ، أو المعروشات ما يحتاج إلى أن يتخذ له عريش يحمل عليه فيمسكه ، وهو الكرم وما يجري مجراه وغير المعروش ما لا يحتاج إليه بل يقوم على ساقه كالنخل والزرع ، ونحوهما من الأشجار والبقول أو المعروشات ما يحصل في البساتين والعمرانات مما يهتم به الناس ويغرسونه وغير المعروشات ما أنبته الله تعالى في البراري والجبال.

﴿والنخل والزرع﴾ أي : أنشأهما وإفرادهما بالذكر مع أنهما داخلان في الجنات لكونهما أعم نفعا من جملة ما يكون في البساتين ، والمراد بالزرع ههنا جميع الحبوب التي يقتات بها ، ﴿مختلفا أكله﴾ حال مقدرة ؛ إذ ليس كذلك وقت الإنشاء ، أي : أنشأ كل واحد منهما في حال اختلاف ثمره الذي يؤكل في الهيئة والكيفية.

جزء : 3 رقم الصفحة : 112

قال البغوي : ثمره وطعمه منها الحلو والحامض والجيد والرديء ﴿والزيتون والرمان﴾ أي : أنشأهما ﴿متشابها وغير متشابه﴾ نصب على الحالية ، أي : يتشابه بعض أفرادهما في اللون والهيئة والطعم ولا يتشابه بعضها مثل الرمانين لونهما واحد وطعمهما مختلف.

﴿كلوا من ثمره﴾ أي : من ثمر كل واحد من ذلك.

﴿إذآ أثمر﴾ وإن لم يدرك ولم يينع بعد ففائدة التقييد بقوله : إذا أثمر إباحة الأكل منه قبل إدراكه وينعه.

﴿وءاتوا حقه يوم حصاده﴾ أشهر الأقوال على أن المراد ما كان يتصدق به على المساكين يوم الحصاد ، أي : يوم قطع العنب والنخل ونحوهما بطريق الوجوب من غير تعيين المقدار حتى نسخه افتراض العشر فيما يسقى بماء السماء ونصف العشر فيما يسقي بالدلو والدالية أو نحوهما.

﴿ولا تسرفوا﴾ أي : في التصدق كما روي أن ثابت بن قيس جذ خمسمائة نخلة فقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا وقد جاء في الخبر "ابدأ بمن تعول" وقيل : الخطاب للسلاطين ، أي : لا تأخذوا فوق حقكم.

﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ أي : لا يرضى فعلهم.

﴿ومن الانعام﴾ أي : أنشأ من الأنعام.

﴿حمولة﴾ ما يحمل عليه الأثقال ﴿وفرشا﴾ وما يفرش للذبح أو يتخذ من صوفه ووبره وشعره ما يفرش ولعله من قبيل التسمية بالمصدر ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ من تبعيضية وما عبارة عن الحمولة والفرش ، أي : كلوا بعض ما رزقكم الله ، أي : حلاله وفيه تصريح بأن إنشاءها لأجلهم ومصلحتهم وتخصيص الأكل بالذكر من غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتها لكونه معظم ما ينتفع به ويتعلق به الحل والحرمة.

﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي : لا تسلكوا الطريق التي سولها الشيطان لكم في أمر التحليل والتحريم فإنه لا يدعوكم إلا إلى المعصية.

﴿إنه لكم عدو مبين﴾ أي : ظاهر العداوة وقد أبان عداوته لأبيكم آدم عليه السلام.

جزء : 3 رقم الصفحة : 112

﴿ثمانية أزواج﴾ بدل من حمولة وفرشا

112

روح البيان - إحياء التراث · الجزء ٣ · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

روح البيان - إحياء التراثج ٣ · ص ٨٦