أما أبو الأسود الدؤلي الكناني فكان يقول: «إني لأجد للحن غمرا
1
كغمر اللحم.»
فلما وقع اللحن في القرآن كان أثره عليهم أشد، وكان إليهم أبغض، فبادروا إلى إعراب القرآن وضبط كلماته بنقط يكتبونها عند آخر الكلمات تدل على حركاتها - وكان ذلك عمل أبي الأسود في النحو، وعمل طبقتين من النحاة بعده؛ يعربون المصحف، أي: يضبطون أواخر كلماته بالنقط، ويرسلون المصاحف في الناس يهتدون في القراءة بها وتكون لهم إماما.
وقد أطالوا بذلك مراقبة أواخر الكلمات، وربما اختلفوا فيها، وتجادلوا عندها. وطول هذه المراقبة ودأبهم عليها هداهم إلى كشف سر من أسرار العربية عظيم؛ وهو أن هذه الحركات ترجع إلى علل وأسباب يطرد حكمها في الكلام، ويمكن الرجوع إليها والاحتجاج بها.
وقد أعجبوا بهذا الكشف إعجابا عظيما فألحوا في الدرس وفي تتبع الأواخر والكشف عن أسرار تبديلها؛ وسموا ما كشفوا أول الأمر - علل الإعراب - أو علل النحو، ثم لم يلبثوا أن أوجزوا فسموها علم النحو أو الإعراب، ولم يمض عليهم زمن طويل، مذ هدوا إلى علل الإعراب، حتى كانوا قد أحاطوا بها ودونوها، وجمعها سيبويه في كتابه الذي لم يزل من بعده إمام النحاة.
وإذا كانت فتنة النحاة بما كشفوا قد دفعتهم إلى التسابق في الكشف، وإلى التعمق في البحث حتى أحاطوا بقواعد الإعراب في سرعة معجزة؛ فإنها صرفتهم عن درس ما سوى الإعراب مما في العربية من قواعد لربط الكلام وتأليف الجمل.
وقد بدا لبعض النحاة مسلك آخر في درس العربية يتجاوز الإعراب إلى غيره من القواعد العربية؛ فألف أبو عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 208 كتابا في «مجاز القرآن»، حاول أن يبين ما في الجملة العربية من تقديم أو تأخير أو حذف أو غيرها، وكان بابا من النحو جديرا أن يفتح، وخطوة في درس العربية حرية أن تتبع الخطة الأولى في الكشف عن علل الإعراب، ولكن النحاة - والناس من ورائهم - كانوا قد شغلوا بسيبويه ونحوه وفتنوا كل الفتنة، حتى كان الإمام أبو عثمان المازني المتوفى سنة 247 يقول: «من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح.»
2
فلم تتجه عنايتهم إلى شيء مما كشف عنه أبو عبيدة في كتاب مجاز القرآن، وأهمل الكتاب ونسي، ووقع بعض الباحثين في أيامنا على اسمه فظنوه كتابا في البلاغة. وما كانت كلمة المجاز إلى ذلك العهد قد خصصت بمعناها الاصطلاحي في البلاغة، وما كان استعمال أبي عبيدة لها إلا مناظرة لكلمة النحو في عبارة غيره من علماء العربية؛ فإنهم سموا بحثهم «النحو»؛ أي: سبيل
3
العرب في القول، واقتصروا منه على ما يمس آخر الكلمة. وسمي بحثه المجاز؛ أي: طريق التعبير، وتناول غير الإعراب من قوانين العبارة العربية، ولم يكثر ما أكثر سيبويه وجماعته، ولم يتعمق ما تعمقوا، ولا أحاط إحاطتهم، ولكنه دل على سبيل تبصرة انصرف الناس عنها غافلين، وقد بقي لنا من هذا الكتاب جزء يسير ننقل منه ما يبين أسلوب بحثه، ويصدق ما ذهبنا إليه من رأي في تقديره.
بدأ كتابه بمقدمة ذكر فيها كثيرا من أنواع المجاز التي يقصد إلى درسها، ثم أخذ في تفسير القرآن الكريم كله، يبين ما في آياته من مجاز على المعنى الذي أراد.
فمن المقدمة قوله: «ومن مجاز ما خبر عن اثنين مشتركين أو عن أكثر من ذلك فجعل بعض الخبر لبعض دون بعض، وكف عن خبر الباقي، قال:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله . ومن مجاز ما جعل في هذا الباب الخبر للأول منهما أو منهم، قال:
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها . ومن مجاز ما جعل في هذا الباب الخبر للآخر منهما أو منهم، قال:
ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا
ومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الغائب ومعناه الشاهد، قال:
الم * ذلك الكتاب