درست هذه الأدوات كما ترى مفرقة، ووجهت العناية كلها إلى بيان ما تحدث من أثر في الإعراب، وأغفل شر إغفال درس معانيها، وخاصة كل أداة في النفي، وفرق ما بينها وبين غيرها في الاستعمال. ولو أنها جمعت في باب وقرنت أساليبها، ثم ووزن بينها، وبين منها ما ينفي الحال وما ينفي الاستقبال وما ينفي الماضي، وما يكون نفيا لمفرد، وما يكون نفيا لجملة، وما يخص الاسم، وما يخص الفعل، وما يتكرر، لأحطنا بأحكام النفي وفقهنا أساليبها، ولظهر لنا من خصائص العربية ودقتها في الأداء شيء كثير أغفله النحاة، وكان علينا أن نتتبعه ونبينه.
ومثل النفي في ذلك التأكيد يدرسونه في «باب إن»، ويقرنون «بإن» المؤكدة «أن» الواصلة، «وليت» المتمنية؛ لأنها أدوات تتماثل في العمل، وإن تباعد ما بينها في المعنى والغرض. وفي باب الفعل يذكرون نوني التوكيد وأحكامهما لأثرهما في إعرابه. وفي بحث التوابع يجعلون للتوكيد بابا خاصا يذكرون فيه عددا من الكلمات، حكمها في الإعراب حكم ما قبلها.
ولو جمعت أساليب التوكيد في العربية - ما ذكر هنا وما لم يذكر - وبين ما يكون تنبيها للسامع، وما يكون تأكيدا للخبر، وما يكون تقوية لرغبة، لكان أقرب إلى أن تدرس كل أنواع التوكيد، ويبين لكل نوع موضعه؛ ولكان أدنى إلى توضيح أساليب العربية وسرها في التعبير.
والزمن جعله النحاة ثلاثة أنواع: الماضي، والحال، والمستقبل. وجعلوا للدلالة عليها صيغتين
3
فقط: الفعل الماضي، والفعل المضارع. وكفاهم ذلك؛ لأن أحكام الإعراب لا تكلفهم أكثر منه، ولم يحيطوا بشيء من أنواع الزمن وأساليب الدلالة عليه، وهي في العربية أوسع من هذا وأدق. يدل على الزمن بالفعل، وبالاسم، وبالفعل والفعل، وبالفعل والاسم، وبالحرف. ولكل أسلوب من هذه جزء من الزمن محدود يدل عليه.
وليس لهذه الأبحاث من موضع يجب أن تفصل وتبين أحكامها فيه إلا علم النحو.
وقد ذكرنا هذه الأمثلة لنبين أن النحاة حين قصروا النحو على البحث في أواخر الكلم قد أخطأوا إلى العربية من وجهين:
الأول:
أنهم حين حددوا النحو وضيقوا بحثه، حرموا أنفسهم وحرمونا؛ إذ اتبعناهم من الاطلاع على كثير من أسرار العربية وأساليبها المتنوعة، ومقدرتها في التعبير؛ فبقيت هذه الأسرار مجهولة، ولم نزل نقرأ العربية ونحفظها ونرويها، ونزعم أننا نفهمها ونحيط بما فيها من إشارة، وبما لأساليبها من دلالة. والحق أنه يخفى علينا كثير من فقه أساليبها، ودقائق التصوير بها.
الثاني:
أنهم رسموا للنحو طريقا لفظية، فاهتموا ببيان الأحوال المختلفة للفظ من رفع أو نصب من غير فطنة لما يتبع هذه الأوجه من أثر في المعنى. يجيزون في الكلام وجهين أو أكثر من أوجه الإعراب، ولا يشيرون إلى ما يتبع كل وجه من أثر في رسم المعنى وتصويره. وبهذا يشتد جدلهم ويطول احتجاجهم، ثم لا ينتهون إلى كلمة فاصلة.
على أن هذا السبيل المحدود، وتلك الغاية القاصرة، لم يصر إليها النحاة عرضا، ولكن كان في مساق التاريخ ما رسم الطريق وحدده.
وسنشير إلى شيء من هذا التاريخ لا لنعتذر عن النحاة فحسب، ولكن لنهتدي به ولنسلك في درس النحو أهدى سبيل وأجداه.
| وجهات البحث النحوي
كان العرب شديدي العناية بالإعراب، وكان حسهم به دقيقا يقظا، يعدونه عنوان الثقافة التامة، والأدب الرفيع، والخلق المهذب، قالوا: اللحن هجنة على الشريف. وكان الرجل منهم إذا تكلم فلحن سقط من أعينهم، وكان خالد بن صفوان يحسن الكلام ويلحن في الإعراب، فقال له مرة بلال بن أبي بردة: «تحدثني حديث الخلفاء وتلحن لحن السقاءات!»
وكان العرب يرقبون ذلك من أنفسهم، ويتعمدون الإعراب ويحرصون عليه أن يخطئوه، يروون لعبد الملك بن مروان أنه قال: «شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن.»
ويروون عن الحجاج بن يوسف - وهو ما تعلم من الفصاحة وقوة البيان - أنه كان يسأل يحيى بن يعمر النحوي: «أتراني ألحن؟» ويشدد عليه أن يبين له ما يسمعه منه من لحن.