مجازه الم هذا القرآن.
4
ومن مجاز ما جاء مخاطبته مخاطبة الشاهد، ثم تركت وحولت مخاطبته هذه إلى مخاطبة الغائب، قال الله تعالى:
حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم
أي: بكم. ومن مجاز ما جاء خبرا عن غائب ثم خوطب الشاهد، قال:
ثم ذهب إلى أهله يتمطى * أولى لك فأولى .
ثم قال: ومن مجاز المكرر للتأكيد، قال:
إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين
أعاد الرؤية، وقال:
أولى لك فأولى
أعاد اللفظ، وقال:
فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة
وقال:
تبت يدا أبي لهب وتب
ومن مجاز المقدم والمؤخر، قال:
فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت
أراد ربت واهتزت ... ومن مجاز ما يحول خبره إلى شيء من سببه ويترك خبره هو، قال:
فظلت أعناقهم لها خاضعين
حول الخبر إلى الكناية التي في آخر الأعناق.
ثم قال: «وكل هذا جائز معروف قد يكلمون به.»
فهذا مثال مما جاء في مقدمة الكتاب، ومن التفسير قوله : «مالك يوم الدين» نصب على النداء وقد تحذف ياء النداء مجازه «مالك يوم الدين»؛ لأنه يخاطب شاهدا، ألا تراه يقول:
إياك نعبد
فهذه حجة لمن نصب، ومن جر قال: هما كلامان ... ومجاز من جر «مالك يوم الدين» أنه حدث عن مخاطبة غائب، ثم راجع فخاطب شاهدا، فقال:
إياك نعبد وإياك نستعين
قال عنترة:
شطت مزار العاشقين فأصبحت
عسرا علي طلابك ابنة مخرم
5
قال أبو كبير الهذلي:
يا لهف نفسي كان حرة وجهه
وبياض وجهك للتراب الأعفر
غير المغضوب عليهم ولا الضالين
مجازها غير المغضوب عليهم والضالين، ولا من حروف الزوائد والمعنى إلغاؤها.
قال العجاج:
في بئر لا حور سرى ولا شعر
أي في بئر حور: أي هلكة.
وقال أبو النجم:
فما ألوم البيض ألا تسخرا
لما رأين الشمط القفندرا
القفندر: القبيح الفاحش؛ أي: فما ألوم البيض أن يسخرن.
وقال:
ويلحينني في اللهو ألا أجيبه
وللهو داع دائب غير غافل
والمعنى: ويلحينني في اللهو أن أجيبه. وفي القرآن آية أخرى:
قال ما منعك ألا تسجد
مجازها ما منعك أن تسجد.
6
ا.ه.
ولقد نكون أطلنا الاقتباس ولكنه مثل من البحث النحوي نريد أن نجليه للناس، وندعوهم إليه ونستزيدهم منه - لعلهم يذوقون من سر العربية ونظم تأليفها ما يتجاوز آخر الكلمة وحكم إعرابه.
وجاء بعد ذلك بآماد الشيخ عبد القاهر الجرجاني، المتوفى سنة 471، ورسم في كتابه دلائل الإعجاز طريقا جديدا للبحث النحوي، تجاوز أواخر الكلم وعلامات الإعراب، وبين أن للكلام «نظما» وأن رعاية هذا النظم واتباع قوانينه هي السبيل إلى الإبانة والإفهام، وأنه إذا عدل بالكلام عن سنن هذا النظم لم يكن مفهما معناه، ولا دالا على ما يراد منه، وضرب المثل لذلك بالمطلع المشهور، وهو:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
لو خولف فيه «النظم» وعدل به عن سننه وقواعده، فقيل:
نبك قفا حبيب من ومنزل ذكرى
لكان لغوا من الكلام وعبثا. ثم بين أن هذا النظم يشمل ما في الكلام من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وفصل ووصل، وعدول عن اسم إلى فعل، أو عن صيغة إلى أخرى، وغير هذا من سائر أحوال الكلمة إذا ألفت مع غيرها لتفهم.
ثم بين أنه ليس شيء من هذا «النظم» إلا وبيانه إلى علم النحو. قال في صفحة 61 من دلائل الإعجاز:
7 «واعلم أنه ليس النظم إلا أن تضع الكلام الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت فلا تخل بشيء منها؛ وذلك أنا لا نعلم شيئا يتبعه الناظم بنظمه، غير أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه، فينظر في الخبر إلى الوجوه التي تراها في قولك: زيد منطلق، وزيد ينطلق، وينطلق زيد، ومنطلق زيد، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، وزيد هو المنطلق. وفي الشرط والجزاء إلى الوجوه التي تراها في قولك: إن تخرج أخرج، وإن خرجت خرجت، وإن تخرج فأنا خارج، وأنا خارج إن خرجت، وأنا إن خرجت خارج ... وينظر في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، وفي الكلام كله، وفي الحذف والتكرار، والإضمار والإظهار، فيضع كلا من ذلك مكانه، ويستعمله على الصحة، وعلى ما ينبغي له. هذا هو السبيل فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم، ويدخل تحت هذا الاسم، إلا وهو معنى من معاني النحو قد أصيب به موضعه، ووضع في حقه، أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه؛ واستعمل في غير ما ينبغي له.» ا.ه.