تخطَّ إلى المحتوى

جود عبد الله بن معمر القرشي التيمي

ومن جود عبيد الله بن معمر القرشي، أن رجلا أتاه من أهل البصرة كانت له جارية نفيسة قد أدبها بأنواع الأدب حتى برعت وفاقت في جميع ذلك، ثم إن الدهر قعد بسيدها ومال عليه. وقدم عبيد الله بن معمر البصرة من بعض وجوهه، فقالت لسيدها: إني أريد أن أذكر لك شيئا أستحي منه، إذ فيه جفاء مني، غير أنه يسهل ذلك علي ما أرى من ضيق حالك وقلة مالك وزوال نعمتك، وما أخافه عليك من الاحتياج وضيق الحال، وهذا عبيد الله بن معمر قدم البصرة، وقد علمت شرفه وفضله وسعة كفه وجود نفسه، فلو أذنت لي فأصلحت من شأني ثم تقدمت بي إليه وعرضتني عليه هدية، رجوت أن يأتيك من مكافأته ما يقيلك الله به وينهضك إن شاء الله. قال: فبكى وجدا عليها وجزعا لفراقها منه، ثم قال لها: لولا أنك نطقت بهذا ما ابتدأتك به أبدا. ثم نهض بها حتى أوقفها بين يدي عبيد الله فقال: أعزك الله، هذه ارية ربيتها ورضيت بها لك، فاقبلها مني هدية. فقال: مثلي لا يستهدي من مثلك؛ فهل لك في بيعها فأجزل لك الثمن عليها حتى ترضى؟ قال: الذي تراه.

قال: يقنعك مني عشر بدر في كل بدرة عشرة آلاف درهم؟ قال: والله يا سيدي ما امتد أملي إلى عشر ما ذكرت، ولكن هذا فضلك المعروف وجودك المشهور. فأمر عبيد الله بإخراج المال حتى صار بين يدي الرجل وقبضه، وقال للجارية: ادخلي الحجاب. فقال سيدها: أعزك الله! لو أذنت لي في وداعها! قال: نعم. فوقفت وقام، وقال لها وعيناه تدمعان:

أبوح بحزن من فراقك موجع ... أقاسي به ليلا يطيل تفكري

ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري

عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر

قال عبيد الله بن معمر: قد شئت ذلك، فخذ جاريتك وبارك الله لك في المال.

فذهب بجاريته وماله فعاد غنيا.

العقد الفريد · الجزء ١ · الصفحة ٢٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.