تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ)

(وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ رَجُلًا مُحْصَنًا أَوْ امْرَأَةً مُحْصَنَةً بِصَرِيحِ الزِّنَا

[فتح القدير]

دَرْكَ لَيْسَ إلَّا عُقُوبَةٌ، إذْ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُ، فَاعْتِبَارُ دَرْكِهِ زَائِلًا فِي حَقِّ الرِّدَّةِ حَتَّى لَا يَكْفُرَ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الِاعْتِقَادِ، وَالِاسْتِخْفَافُ اعْتِبَارٌ مُخَالِفٌ لِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ فِي حَقِّهِ.

قُلْنَا: ثَبَتَ مِنْ الشَّرْعِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ بَعْدَمَا عَاقَبَهُ بِلُزُومِ الْأَحْكَامِ مَعَ عَدَمِ فَهْمِ الْخِطَابِ خَفَّفَ عَنْهُ فِي أَصْلِ الدِّينِ رَحْمَةً عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ خَاصَّةً، وَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِكُفْرِ الْقَارِئِ مَعَ إسْقَاطِ لَفْظَةِ " لَا " مِنْ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ السُّكْرَ الَّذِي كَانَ بِهِمْ لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ لَا دَرْكَ أَصْلًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَدْرَكُوا وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَقَامُوا إلَى الْأَدَاءِ، فَعِلْمُنَا أَنَّ الشَّارِعَ رَحِمَهُ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَعَاقَبَهُ فِي فُرُوعِهِ وَلِهَذَا صَحَّحْنَا إسْلَامَهُ، وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ لَقُلْنَا بِرِدَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دَرْكٌ وَلَمْ نُصَحِّحْ مِنْ الْكَافِرِ السَّكْرَانِ إسْلَامَهُ، وَمِمَّا ذَكَرْنَا يُعْرَفُ صِحَّةُ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا السَّكْرَانَ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ كَلِمَةُ رِدَّةٍ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى أَقْصَى السُّكْرِ إنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهَا كَمَا قَرَأَ عَلِيٌّ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1] فَغَيَّرَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ مُدْرِكًا لَهَا قَاصِدًا مُسْتَحْضِرًا مَعْنَاهَا فَإِنَّهُ كَافِرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ تَكْفِيرِ الْهَازِلِ.

وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَدْرِي مِنْ حَالِهِ إلَّا أَنَّهُ سَكْرَانُ تَكَلَّمَ بِمَا هُوَ كُفْرٌ فَلَا يَحْكُمُ بِكُفْرِهِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ]

تَقَدَّمَ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ. وَالْقَذْفُ لُغَةً الرَّمْيُ بِالشَّيْءِ. وَفِي الشَّرْعِ: رَمْيٌ بِالزِّنَا، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23] وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ. وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ. وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ. وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ أَقَامَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَاجْتَنَبَ السَّبْعَ الْكَبَائِرَ نُودِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَدْخُلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ» وَذَكَرَ مِنْهَا قَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ. وَتَعَلَّقَ الْحَدُّ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ مُسْتَنِدِينَ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4] (وَالْمُرَادُ الرَّمْيُ بِالزِّنَا) حَتَّى لَوْ رَمَاهُ بِسَائِرِ الْمَعَاصِي غَيْرِهِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بَلْ التَّعْزِيرُ (وَفِي النَّصِّ إشَارَةٌ إلَيْهِ) أَيْ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا (وَهُوَ اشْتِرَاطُ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهُودِ) يَشْهَدُونَ عَلَيْهَا بِمَا رَمَاهَا بِهِ لِيَظْهَرَ بِهِ صِدْقُهُ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ، وَلَا شَيْءَ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ إلَّا الزِّنَا، ثُمَّ ثَبَتَ وُجُوبُ جَلْدِ الْقَاذِفِ لِلْمُحْصَنِ بِدَلَالَةِ هَذَا النَّصِّ بِالْقَطْعِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ وَهُوَ صِفَةُ الْأُنُوثَةِ وَاسْتِقْلَالِ دَفْعِ عَارِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ بِالتَّأْثِيرِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَقَّفُ فَهْمُهُ عَلَى ثُبُوتِ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ.

(قَوْلُهُ وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ رَجُلًا مُحْصَنًا أَوْ امْرَأَةً مُحْصَنَةً بِصَرِيحِ الزِّنَا) بِأَنْ قَالَ زَنَيْت أَوْ يَا زَانِي

فتح القدير للكمال ابن الهمام · الجزء ٥ · الصفحة ٣١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتح القدير للكمال ابن الهمامج ٥ · ص ٣١٦