تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَا: يَخْتِمُ عَقِيبَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، فَأَخَذَا بِقَوْلِ عَلِيٍّ أَخْذًا بِالْأَكْثَرِ، إذْ هُوَ الِاحْتِيَاطُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَأَخَذَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَخْذًا بِالْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ بِدْعَةٌ.

[فتح القدير]

إذَا أُرِيدَ بِالتَّشْرِيقِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، أَوْ قُدِّرَتْ الْأَيَّامُ مُقْحَمَةً بَيْنَ الْمُتَضَايِفَيْنِ وَلَا دَاعِي إلَيْهِ فَلْيَرُدَّ بِهِ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ أُرِيدَ الذَّبْحُ نَفْسُهُ عَلَى بَعْد إضَافَةِ التَّكْبِيرِ لِلذَّبْحِ لَمْ يَلْزَمْ مَا ذُكِرَ وَهُوَ ظَاهِرٌ.

وَعَلَى هَذَا فَمَا فِي الْخُلَاصَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثَةٌ وَأَيَّامُ النَّحْرِ ثَلَاثَةٌ سِتَّةٌ تَنْقَضِي بِأَرْبَعَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ نَحْرٌ فَقَطْ وَالْأَخِيرَ تَشْرِيقٌ فَقَطْ وَالْمُتَوَسِّطَانِ نَحْرٌ وَتَشْرِيقٌ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ التَّشْرِيقَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّكْبِيرِ أَوْ الذَّبْحِ، أَوْ تَشْرِيقُ اللَّحْمِ بِإِظْهَارِهِ لِلشَّمْسِ بَعْدَ تَقْطِيعِهِ لِيَتَقَدَّدَ، وَعَلَى كِلَيْهِمَا يَدْخُلُ يَوْمُ النَّحْرِ فِيهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: التَّشْرِيقُ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ لَا يَكُونُ فِي الْأَوَّلِ ظَاهِرًا. وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ تَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ وَاجِبَةٌ فِي الْمَذَاهِبِ أَوْ سُنَّةٌ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ. وَدَلِيلُ السُّنَّةِ أَنْهَضُ وَهُوَ مُوَاظَبَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28] فَالظَّاهِرُ مِنْهَا ذِكْرُ اسْمِهِ عَلَى الذَّبِيحَةِ نَسْخًا لِذِكْرِهِمْ عَلَيْهَا غَيْرَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِدَلِيلِ ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] بَلْ قَدْ قِيلَ: إنَّ الذِّكْرَ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِ الذَّبْحِ.

(قَوْلُهُ: وَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلِفَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَأَخَذَا بِقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَذَكَرَهُ، وَأَخَذَ هُوَ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَهُوَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا. حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَوْلُ مَنْ جَعَلَ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا خِلَافُ مُقْتَضَى التَّرْجِيحِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ لَا فِي نَفْسِ الذِّكْرِ.

وَالْأَصْلُ فِي الْأَذْكَارِ الْإِخْفَاءُ وَالْجَهْرُ بِهِ بِدْعَةٌ، فَإِذَا تَعَارَضَا فِي الْجَهْرِ تَرَجَّحَ الْأَقَلُّ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَارَةَ قَالَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ فِي الْمَكْتُوبَاتِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَكَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ يُكَبِّرُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ وَيَقْطَعُهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» وَصَحَّحَهُ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ خَبَرٌ وَاهٍ كَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ مَنَاكِيرَ، وَسَعِيدٌ إنْ كَانَ

فتح القدير للكمال ابن الهمام · الجزء ٢ · الصفحة ٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتح القدير للكمال ابن الهمامج ٢ · ص ٨١