تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((اعلم أن هذه المدينة (مدينة طوس) خراباً بسبب المجاعات والظلم، ولما بلغ الناس توجهك من أسفرائين ودامغنان خافوا، وبدأ الفلاحون يبيعون الحبوب، واعتذر الظالمون إلى المظلومين واستسمحوهم، لما كانوا يتوقعون من إنصاف منك، واستطلاع للأحوال، ونشاط في الإصلاح.

أما وقد وصلت إلى طوس، ولم ير الناس شيئاً، فقد زال الخوف، وعاد الفلاحون والخبازون إلى ما كانوا عليه من الغلاء الفاحش والاحتكار، وتشجيع الظالمون، وكل من يخبرك من أخبار هذا البلد بخلاف ذلك، فاعلم أنه عدو دينك.

واعلم أن دعاء أهل طوس بالخير والشر مجرب، وقد نصح للعميد كثيراً، ولكنه لم يقبل النصيحة، وأصبح عبرة للعاملين، ونكالاً للآخرين، واعلم يا فخر الملك، أن هذه الكلمات لاذعة مرة قاسية لا يجرؤ عليها إلا من قطع أمله من جميع الملوك والأمراء، فاقدرها قدرها، فإنك لا تسمعها من غيري، وكل من يقول غير ذلك، فاعلم أن طمعه حجداب بينه وبين كلمة الحق)) (1).

فقه نصيحة الغزالي

هذه نصيحة الغزالي تتجلى فيها الدلالات التالية:

1 - الحرص الشديد على إيصال الصورة الحقيقية للبلاد إلى فخر الملك دونما تقصير أو مداهنة أو نفاق.

2 - القوة في الخطاب، وقد وقعت موقعها، وجاءت في موعدها.

3 - الحرقة على أحوال الناس في زمانه من شدة المعاش، إلى مظالم تترى، مما ألزم الغزالي أن يبعث بهذه الرسالة تتضمن هذه النصيحة الصادقة.

الخاتمة

هذه كلمات في فقه النصيحة التي ألزمنا الله بها، وجعلها رسوله - صلى الله عليه وسلم - ديناً، وبايع عليها أصحابه، وعليها تعاقدت مواكب المؤمنين، ولانت جوانب الصالحين، وليس لكتابه فيه إلا الجمع والترتيب، ويرجو به حسن الثواب من الله سبحانه وتعالى، وأن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم، ويرجو من نظر فيه تطبيق مفرداته على أخطائه إن كانت، إنه على ما يشاء قدير.

والحمد لله رب العالمين

(1) رجال الفكر والدعوة: (ص 238 - 239)، نقلاً عن رسائل الغزالي بالفارسية.

فقه النصيحة · الصفحة ٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فقه النصيحةص ٤٦