عباس، وليس بالقوي (1)، وقد أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، أخبرنا أبو عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد المزني القاضي، حدثنا محمد بن المنهال، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدى جملاً لأبي جهل يوم الحديبية كان استلبه يوم بدر، وفي أنفه برة من فضة، وكذلك رواه أبو داود السجستاني في كتاب السنن عن محمد بن المنهال: برة من ذهب (2).
أخبرنا أبو علي الروذباري، أخبرنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود فذكره، وقال: عام الحديبية، ولم يذكر قصة بدر (3).
وقد أجمعنا على منع تحلية الدابة بالذهب، ولم ندع فيه ظاهر الكتاب بإيجاب الزكاة فيه، وعده إذا لم يخرجها من الكنوز بهذا الخبر، وكذلك لا ندعه في الفضة، وليس في الحديث، إن ثبت في الفضة، صريح دلالة في المسألة، وبالله التوفيق والعصمة.
وقد حكى لي عن الشيخ أدام الله عزه أنه اختار جواز المكتوبة على الراحلة الواقفة، إذا تمكن من الإتيان بشرائطها مع ما في النزول للمكتوبة في غير شدة الخوف من الأخبار والآثار الثابتة، وعدم ثبوت ما روي في مقابلتها دون الشرائط التي اعتبرها.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه في الإملاء: ((ولا يصلي المسافر المكتوبة بحال أبداً إلا حالاً واحداً إلا نازلاً في الأرض، أو على ما هو ثابت على الأرض، لا يزول بنفسه مثل البساط والسرير والسفينة في البحر)) (4).
فلما وصلت الرسالة إلى أبي محمد قال: هذه بركة العلم ودعا للبيهقي، وترك إتمام ذلك التصنيف (5)، وقال في البيهقي: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي فإنه ناصر مذهبه
(6).
فقه نصيحة البيهقي
بعد ذكر هذه النصيحة المطولة بتمامها نورد بعض دلالاتها كما يلي:
1 - حوت هذه النصيحة معالم أدب التعامل بين العلماء، مع ذكر حسن بينهم، إلى مودة صادقة، إلى حرص على توالي التوفيق والخير، إلى دعاء بالتوفيق للمنصوح، بما يجعلها معلمة نصح وإرشاد للناصحين.
2 - جرت النصيحة في مسائل علمية بين عالمين فحلين من فحول المذهب، وإمامين من أئمة ذلكم الزمان بكل أريحية وتقبل.
3 - يلحظ في الرسالة حرص البيهقي على إصابة أبي محمد للصواب، وتحريه للدقة.
4 - كان جواب النصيحة جميلاً، اعترافاً بفضل، ودعوة صالحة، والإقلاع عما نصح فيه.
5 - لقد كانت النصيحة شهادة حق حفظت لهذين الإمامين، فما ذكر النصح إلا ذكرا معه، وما ذكر الوقوف عن الحق إلا تعلم الناس منهما.
6 - النصيحة مملوءة تواضعاً وخضوعاً وذلاً للمؤمنين، وعدم تعال، ولا تهجم على شخص المنصوح وعلمه، وهذا من الأمور المفقودة عند الناصحين في زماننا هذا.
النصيحة السادسة
نصيحة الإمام الغزالي لأحد حكام عصره
الإمام أبو حامد الغزالي أحد علماء زمانه، ولقد نصح أهل زمانه عامة وخاصة، ولقد كان من نصحه رسالة بعث بها إلى أحد حكام عصره، وهو فخر الملك، قال فه فيها:
(1) صدوق سيئ الحفظ جداً، قال شعبة: ما رأيت أسوأ من حفظه، وقال ابن معين، ليس بذاك. انظر التقريب: (2/ 184). والمغني في الضعفاء: (2/ 603).
(2) سنن أبي داود: (2/ 145).
(3) انظر معالم السنن للخطابي: (2/ 151)، والخطابي تلميذ ابن داسة، وراوي نسخته.
(4) الطبقات: (3/ 210 - 217)، مجموعة الرسائل المنبرية.
(5) طبقات الشافعية للسبكي: (3/ 210 - 217).
(6) الطبقات: (3/ 210).