وقد علم الشيخ أبقاه الله ورود التحريم في الأواني المتخذة من الذهب والفضة عامة (1)، ثم وردت الإباحة في تحلية النساء بهما، وتختم الرجال بالفضة خاصة، ووقف على اختلاف الصدر الأول رضي الله عنهم في حلية السيوف، واحتجاج كل فريق منهم بقوله بخبر، فنحن، وإن رجحنا قول من قال بإباحتها بنوع من وجوه الترجيحات، ثم حظرنا تحلية السيف، والسرير وسائر الآلات، ولم نقسها على التحريم بالفضة، ولا على حلية السيوف، فتصحيح إباحة تحلية الدابة بالفضة من غير ورود أثر صحيح مما يشق ويتعذر، وهو أدام الله توفيقه أهل أن يجتهد ويتخير.
وما استدل به من الخبر بأن أبا سفيان أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعيراً برته (2) من فضة فغير مشتهر، وهو إن كان فلا دلالة له في فعل أبي سفيان؛ إذ لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه تركه ثم ركبه، أو أركبه غيره، وإنما الحديث المشهور عندنا ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: أهدى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هديه جملاً لأبي جهل في أنفه برة فضة ليغيظ به المشركين (3).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا ابن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن اسحاق، الحديث (4).
وكان علي بن المديني يقول: كنت أرى هذا من صحيح حديث ابن إسحاق، فإذا هو قد دلسه.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني من لا أتهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس فإذا الحديث مضطرب.
أخبرنا بهذه الحكاية محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن صالح الهاشمي، حدثنا أبن جعفر السبيعي، حدثنا عبد الله بن علي المديني قال: حدثني أبي فذكرها. وقد روي الحديث عن جرير بن حازم، عن ابن أبي نجيح، ورواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن
(1) يشير إلى حديث أم سلمة: الذي يشرب ويأكل في آنية الذهب والفضة فكأنما يجرجر بطنه في نار جهنم، وهو في صحيح مسلم: (14/ 27 - 30).
(2) البرة: حلقة تجعل في أنف البعير ليذل ويأتلف، انظر ((شرح الخشني)): (3/ 444).
(3) رواه أبو إسحاق في ((السيرة)): (3/ 444)، وأحمد في مسنده)): (1/ 234)، وأبو داود: (رقم 1749)، والطبري في ((المعجم الكبير)): (11/ 91/ 92).
(4) المستدرك: (1/ 467)، فقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.