قَال ابْنُ الْقَيِّمِ : الاِسْتِغْفَارُ إِذَا ذُكِرَ مُفْرَدًا يُرَادُ بِهِ التَّوْبَةُ مَعَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ ، وَهُوَ مَحْوُ الذَّنْبِ وَإِزَالَةُ أَثَرِهِ وَوِقَايَةُ شَرِّهِ ، وَالسَّتْرُ لاَزِمٌ لِهَذَا الْمَعْنَى ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (10) سورة نوح
فَالاِسْتِغْفَارُ بِهَذَا الْمَعْنَى يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ ،أَمَّا عِنْدَ اقْتِرَانِ إِحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ بِالأُْخْرَى فَالاِسْتِغْفَارُ طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا مَضَى ، وَالتَّوْبَةُ الرُّجُوعُ وَطَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ مَا يَخَافُهُ فِي الْمُسْتَقْبَل مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِهِ (1) ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) [هود/3] ﴾ .
أَرْكَانُ وَشُرُوطُ التَّوْبَةِ :
ذَكَرَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ أَنَّ لِلتَّوْبَةِ أَرْبَعَةَ شُرُوطٍ : الإِْقْلاَعَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ حَالاً ، وَالنَّدَمَ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْمَاضِي ، وَالْعَزْمَ عَزْمًا جَازِمًا أَنْ لاَ يَعُودَ إِلَى مِثْلِهَا أَبَدًا . وَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِحَقِّ آدَمِيٍّ ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا رَدُّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا أَوْ تَحْصِيل الْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ (2) .
وَصَرَّحُوا كَذَلِكَ بِأَنَّ النَّدَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ؛ وَلِقُبْحِهَا شَرْعًا . وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ : النَّدَامَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لِكَوْنِهَا مَعْصِيَةً " ؛ لأَِنَّ النَّدَامَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لإِِضْرَارِهَا بِبَدَنِهِ ، وَإِخْلاَلِهَا بِعِرْضِهِ أَوْ مَالِهِ ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لاَ تَكُونُ تَوْبَةً ، فَلَوْ نَدِمَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا لِلصُّدَاعِ ، وَخِفَّةِ الْعَقْل ، وَزَوَال الْمَال ، وَخَدْشِ الْعِرْضِ لاَ يَكُونُ تَائِبًا .
وَالنَّدَمُ لِخَوْفِ النَّارِ أَوْ طَمَعِ الْجَنَّةِ يُعْتَبَرُ تَوْبَةٌ (3) .
(1) - مدارج السالكين 1 / 307 ، 309 .
(2) - البدائع 7 / 96 ، والفواكه الدواني 1 / 88 ، 89 ، وحاشية القليوبي 4 / 201 ، والمغني 9 / 201 ، والآداب الشرعية 1 / 100 ، وتفسير الألوسي 28 / 159 .
(3) - تفسير الألوسي 28 / 158 ، وبلغة السالك 4 / 738 ، ودستور العلماء 1 / 362 ، والفواكه الدواني 1 / 88 ، والجمل على شرح المنهج 5 / 387 ، وكشاف القناع 6 / 425 .