كانوا ينفقون!
لقد كان الشيخ ينفق على طلابه الفقراء و ينفق على من يعولون ليتفرغوا للعلم، و يشتري لهم الكتب الدراسية من ماله الخاص، و يشتري لهم الكتب القيمة، و يطعمهم و يکسوهم، ويعودهم إذا مرضوا ويزورهم في الأفراح، ويواسيهم في الأتراح، ويقدم لهم الهدايا بالمناسبات، ولكنه كان لا يؤجز (1) غير المستحق، ولا يسامح المتكاسل، ولا يسكت عن المتغيب، ويحاسب المتهاون في أمور العلم والدين.
لذلك تخرج من مدرسته علماء أعلام كالشيخ عبدالله النعمة، فقد كان عليه رحمة الله يستحق أن ينولى مشيخة الأزهر الشريف بكل كفاية على وورعة وخلقا، لأنه كان بحرا زاخرة في علمه، طودا شامخا في عزته، مثالأ عالية للخلق الكريم.
وعشنا حتى رأينا شيوخا يخشون أصحاب السلطان أكثر مما يخشون الله، و يتزاحمون على المادة أكثر مما يتزاحمون على الصلاة، و يقصدون من يدفع لهم المال في مواطن النفط، و يهربون من مكافحة المبشرين في مواطن التنصير من بلاد المسلمين، و يعاونون الظالمين ولا بعينون المظلومين، ولا يقولون كلمة الحق عند سلطان جائر.
أهؤلاء شيوخ و ابن تيمية والعز بن عبد السلام والرضواني شيوخ!!
ولكن التردي لم يقتصر على العلماء، بل شمل أصناف الناس جميعا، والعلماء من أبناء الشعب بل من أفضل أبناء الشعب، فإذا أصبحوا في أكثرهم تجار علم لا علماء، فهذا دليل على انصراف غالبية أبناء الشعب إلى (المادة) وجعلها (غاية)، والمفروض أن تكون وسيلة) لا (غاية).
وهذه (العلة). علة تحول الغالبية إلى (المادة) -، لا بد أن تعالج معالجة ناجعة، ولكي يجدي العلاج، فلا بد من اكتشاف (الداء) ليعطى للعليل
(1) يوجز: يمنح إجازة للمتخرج في مدرسته، شهادة على تخرجه ونجاحه في الدراسة، وأنه أصبح عالمة من علماء الدين،