المجاهدون
كانت جماعة المصلين في مسجد الحي تجتمع فيه للصلاة ثلاث مرات: المغرب والعشاء والفجر، لا يكاد يتخلف منهم أحد إلا إذا كان مريضا أو على سفر، وكانوا بعد صلاة الفجر يتفرقون إلى أعمالهم، فيؤدون صلاة الظهر وصلاة العصر في المساجد القريبة من أماكن عملهم، فلا يبقى في مسجد الحي غير الإمام والطاعنين في السن الذين أدوا واجبهم في الحياة وأن لهم أن يستر حوا.
وكانت الدولة العثمانية مشتبكة بالقتال في حرب طاحنة ضروس مع روسيا القيصرية، وكان جماعة المسجد يتناقلون أخبار الحرب باهتمام بالغ حين يجتمعون، فإذا انتصر العثمانيون فرحوا واستبشروا، و إذا غلبوا حزنوا وتطيروا، وكان الامام يقت بالمصلين يدعو للمسلمين بالنصر على أعدائهم، فيطول قنوته ويرتفع نشيجه ونشيج المقتدين به في أيام الهزيمة.
وكان إمام المسجد في السبعين من عمره، فقال لجماعة المصلين، بعد أن ترددت أخبار اندحار العثمانيين وانسحابهم إلى داخل حدود بلادهم الشمالية المتاخمة للروس: ووجب علينا الجهاد، فلا بد أن نلتحق باخواننا المقاتلين ..
وتداول الامعون فيما بينهم، فقدم الموسرون ما استطاعوا من أموال ومن وسائل الركوب والتجهيزات والمواد التموينية، فأصبح مسجد الحي بين عشية وضحاها ثكنة ومستودعا للتجهيزات ومدخرة للمواد التموينية، وأصبح إمام المسجد قائدا وصاحب بيت المال وأمين المستودع وضابط الاعاشة وضابط