بيده، وقدمها إلي، آمرأ، أن أبدأ صفحة جديدة في حياتي، بشرب المدام، وأن أتخلى عن تزمتي، لأصبح ضابطا حقا ... ثم أقسم بشرفه العسكري أن أفعل ما أمرني به ... وأقسم قائد سريني هو الآخر متطوعة، ألا أرد كأس
القائد الخيام!
وكان الليل البهيم قد أرخى سدوله، وكانت السماء صافية تتلالا بالنجوم، وكانت أمواه (دجلة) تعكس على صفحاتها أنوار النجوم، فتزيدها بهاء ورونقا ونورة.
وكان قائد الكتيبة برتبة (عقيد)، يحمل على كتفيه رتبته العسكرية، وهي بحساب النجوم اثنتا عشرة نجمة، وعلى كل كتف تاج يعادل أربع نجوم، ونجمتان أسفل التاج، فيكون على كل كتف ست نجوم، وعلى الكتفين اثنتا عشرة نجمة.
و يومها قلت له: «إني أطيعك في تنفيذ أوامرك العسكرية، وأطيع الله في تنفيذ أوامره الدينية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ... إنك تحمل على كتفيك اثنتي عشرة نجمة، فانظر إلى سماء الله لترى كم تحمل من نجوم.
وهت القائد، وأخذ يردد: «السماء .. ! السماء .. ! نجوم السماء ... !؟ ثم أشاح بوجهه عني، ومضى غضبان أسفة وهو يقول: وهذا الضابط لا يفيدنا ... لا يفيدنا أبدأه.
و يومئذ شعرت شعورا راسخا، بأن موقفي ليس مصاولة بين إرادتي و إرادة القائد، ولكنها بين إرادة القائد بشرة، و إرادة الله خالق البشر!
وجلست وحيدة أتأمل نجوم السماء، وأستشعر عظمة خالق السماء، وجلس الضباط جميعا، ترتفع ضحكاتهم إلى عنان السماء.
لقد كان الاعتقاد السائد بين أكثر الضباط وهم في الخدمة، أن التدين تخلف وجمود، وأن التقوى بلادة وتواكل.