" فالمسجد هو في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع . هو فكر واحد لكل الرؤوس ، ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل . وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم , يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله " (1).
" فما المسجد بناء ولا مكاناً كغيره من البناء والمكان ، بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله و يضطرب ، فإن الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها ، وهذه كلها يمحوها المسجد ، إذ يجمع الناس مراراً في كل يوم على سلامة الصدر ، وبراءة القلب و روحانية النفس ، ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه و أسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء ، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد ) (2).
ولقد تفاعل الموفقون مع هذه الأعطيات التي تمنحهم إياها مساجدهم ، فولعوا بها ، و شدوا إليها شداً أنطق الشاعر بالصدق فوصفهم بأنهم :
يمشون نحو بيوت الله إذ سمعوا **** ( الله أكبر ) في شوق وفي جذل
أرواحهم خشعت لله في أدب **** قلوبهم من جلال الله في وجل
نجواهم : ربنا جئناك طائعة **** نفوسنا ، وعصينا خادع الأمل
إذا سجى الليل قاموه و أعينهم **** من خشية الله مثل الجائد الهطل
هم الرجال فلا يلهيهم لعب **** عن الصلاة ، ولا أكذوبة الكسل
ثم ما برح أئمة الموفقين يلحون في التوصية بذلك ، ابتداء بالصدر الأول ، كمثل عبد الله بن المبارك حين يقول :
اغتنم ركعتين زلفى إلى الله **** إذا كنت فارغاً مستريحاً
و إذا هممت بالنطق بالباطل **** فاجعل مكانه تسبيحاً (3)
و انتهاء بقادة الدعوة في هذا القرن ، كمثل الإمام البنا حين يوصي أن :
" أيها الأخ العزيز :
(1) للرافعي في وحي القلم 1/358-357 .
(2) نفس المصدر السابق
(3) طبقات الشافعية للسبكي 1/286