ويرد مثل ثالث لهذه الاحتياطات يدعونا إلى أن لا نعتبر التخلف عن تنفيذ أمر واحد فقط نقضاً للبيعة إذا كان الداعية متأولاً، حتى ولو كان مخطئاً فى تأوله، فإن لخواطر التأويل استبداد بالعقول والقلوب رهيب، لا يفلت منه إلا داعية له فقه عميق، ولا يكاد يبرأ أحد من حيصة فى حياته، ولربما تتكرر، ولو تعاملنا مع الدعاة مفترضين براءتهم منها لما صدق فرضنا إلا قليلاً، ولكنه العفو، والتسامح، والتسديد.
ولربما ظن البعض بسبب هذه الأمثلة أن على الاحتياطات الدارئة للفتن أن تلتزم جانب الترخيص والمرونة دائماً، وليس ذلك الذى نعنيه، فإن العزيمة تفرض نفسها من جانب آخر كاحتياط ضرورى مقابل.
وأجدر مثل يوضح ذلك أن تسلك القيادة مسلك بيان تبعات البيعة الثقيلة لكل داعية جديد من خلال رسالة مكتوبةتحيطه علماً بأبعاد العمل الذى يقدم عليه قبل دخوله فيه، فإن بعض الدعاة يصطادون الشاب صيداً، كما يأسر القانص الظنبى، ويأخذون منه البيعة دون أن يدرى معناها والتكاليفها وما عليه بعدها من تقديم وقته وماله ودمه فداء للدعوة، ويظل الشاب فرحاً فى أيامه الأولى بصحبة خير الناس أخلاقاً، جذلاً فى رحاب المحبة والأشواق، فإذا جد الجد، وواجه المصاعب، وطلب منه الصبر: تلكأ إن لم يكن يتوقع ذلك.
من هنا وجب أن لا نستغفل أحداً تعويلاً على احتمال اتعاظه بتربيتنا من بعد، بل لا بد أن نصارحه كل الصراحة، لا على لسان الدعاة، فان منهم من قد تعوزه البلاغة، وينقصه حسن الإفصاح، ولكن برسالة نموذجية موحدة تبعث بها القيادة إلى كل من ينوى الانخراط فى صفوف التنظيم، تحدثه خلالها بالتزاماته المقبلة، وتروى له قصة الصراع فى هذه الحياة، وتريه فضل إقدامه والأجر الأخروى الذى ينتظره.