رواية البخاري في "صحيحه" (1):
قال البخاري: حدثنا هُدْبةُ بن خالد، قال: حدثنا همام بن يحيى، قال: حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حدَّثهم عن ليلةَ أُسرِي به قال: ((بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر (2) - مضطجعًا إذ أتاني آتٍ فقدَّ (3)) قال - أي: قتادة - وسمعته يقول: فشقَّ ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود (4): ما يعني به؟ قال: من ثُغرة نَحرِه إلى ثنَّته (5) ((فاستخرج قلبي، ثم أُتِيتُ بطستٍ من ذهبٍ مملوءة إيمانًا وحِكمة (6)، فغُسِلَ قلبي ثم حُشِي ثم أُعِيدَ، ثم أُتِيتُ بدابَّة دُون البَغل، وفوقَ الحمار أبيض))، فقال له الجارود: هو البراق (7) يا أبا حمزة - كنية أنس؟ قال أنس: نعم، ((يضع خطوه عند أقصى طَرْفِه (8)، فحُمِلتُ عليه، فانطَلقَ بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح (9) فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومَن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسِل إليه؟ (10) قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنِعمَ المجيء جاء، ففتح، فلمَّا خلصت فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوك آدم فسَلِّمْ عليه، فسلَّمت عليه فردَّ السلام ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح (11).
(1) انظر: باب المعراج من "صحيح البخاري" ج 5 ص 66.
(2) الحطيم: هو الحجر على الصحيح، والراوي لَمَّا لم يتأكَّد أيَّ اللفظين قال، ذكرها على صِيغة الشكِّ ليخرج من العُهدة، وهي أمانةٌ في النقل مشكورةٌ.
(3) القدُّ: هو القطع.
(4) لعله الجارود بن أبى سبرة البصري صاحب أنس وأحد الرُّواة عنه.
(5) الثُّغرة: المكان المنخفِض بين الترقوتَيْن، والثُّنَّة بضَمِّ الثاء وتشديد النون: ما تحت السرَّة.
(6) يعني: مملوءة بشيءٍ يترتَّب عليه زيادةُ الإيمان وكمالُ الحكمة.
(7) بضمِّ الباء وتخفيف الراء مشتقٌّ من البرق؛ إذ سرعته في سيره مثل سرعة البرق في لمعانه.
(8) يعني: عند منتهى بصره، وما أشدَّ سرعةَ مَن كان على هذا الحال!
(9) يعني: طلب الفتح.
(10) يعني: أوقد أرسل إليه للعروج إلى السماء، وأمَّا أصل بعثته فمشهورةٌ عند الملأ الأعلى معروفة لهم.
(11) اقتصر الأنبياء الذين لقيَهُم في السماء على وصْفه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بصفة الصَّلاح لأنَّ فيها جماعَ الخبر كله، والصالح هو: الطيِّب في نفسه الذي يقومُ به عليه من حُقوق الله وحُقوق العباد.