وتدخل الفتيا في مسألة بلاغ العلم على سبيل العموم, وإنما أفردت وفصلت، وانفكت من جهة المصطلح في كلام العلماء؛ لأهميتها وجلالة قدرها, وكذلك حاجة الناس إليها. والغالب أيضاً في بلاغ الدين أنه يدخله سائر الناس, من علم شيئاً يسيراً من الدين، أو علم جل مسائل الدين وأكثرها, وأما بالنسبة للفتيا فإنه لا يتصدى لذلك إلا من علم مجموع مسائل الدين, وتوفر لديه معرفة المسائل الظاهرة, وكذلك الخفية من أمور الدين وأحكامه, فإنه لا يتصدى لذلك إلا ما تحقق فيه هذا الأمر. وقد تكلم العلماء في هذه المسألة، أي: في شروط المفتي, وأهمية تصدره في هذا الباب مما لا حاجة إلى إيراده هنا, والكلام على شروط المفتي مما يطول، وهو بحاجة إلى مجالس متعددة؛ لخلاف العلماء في كثير من تلك الشروط وتفريقهم أيضاً بين درجات المفتين, وأما الذي قد علم شيئاً من مسائل الدين, فيكون من أهل الفقه في باب من الأبواب, كأن يكون مثلاً من أهل المعرفة بأبواب المناسك, وهو من أهل الجهالة في بقية الأحكام, كأبواب المعاملات والمواريث وغيرها, فهو يدعو إلى ما علم فيه, وقد يكون أيضاً من أهل الفتيا في هذا الباب. وهذا يدل على أن مسائل الدين وتبليغه, وكذلك الفتيا تتجزأ بحسب علم الإنسان ومعرفته, وهذا يرجع فيه إلى علم الإنسان, وإلى ما عرف به, فإذا رجع إلى هذا الأصل عرف أهل الاختصاص من عدمهم, وهذا أيضاً يرجع فيه إلى قوة سبر الإنسان, ودرايته وقوة إدراكه برجوعه إلى طرائق الأئمة الأوائل من أهل الاختصاص, من نقلة العلوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذين جاء العلم بواسطتهم, فهم النقلة وحملة الوحي لمن جاء بعدهم من التابعين وأتباعهم، إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض ومن عليها.
الفتوى ضوابط وأحكام · الصفحة ٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الفتوى ضوابط وأحكامص ٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي