ولما حصلت التهمة لها خرجت هاربة من قومها مكاناً قاصياً بعيداً ، ثم لما وصلت جذع نخلة بالية ضربها المخاض وأصابها ، قيل في قرية تسمى (بيت لحم) ، وهناك اشتد الكرب عليها ، وحزنت حزناً شديداً ، وقالت : ﴿ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً ﴾ أي ليتني مت قبل هذه المصيبة ، ولم أطلق ، ولم أخلق ولم أُعرف وفيه جواز تمني الموت خشية الفتنة .
حينئذ جاءها الفرج من الله ﴿ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ﴾ [ مريم : 24 - 26 ] . جاءها الملك فناداها لا تحزني ولا تيئسي إن الله قد جعل لكي سريا وهو الجدول من الماء قيل هو بالسريانية والنهر الصغير .
وهزي بجذع النخلة تساقط عليكي رطباً جنيا أي ثمراً عجوة من النخلة .
(صَوْماً) صمتاً ، كان من شريعتهم الصوم عن الأكل والكلام .
وضعته وطعمت من النهر والتمر ، ثم أخذته وحملته إلى قومها ، وأرشدها الله أن لا تكلم أحداً يسألها في طريق ، فلما وصلت إلى قومها ﴿ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ [ مريم : 27 ] . أي عظيماً ﴿ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴾ [ مريم : 27 ] .
لم تتكلم ، وعقد الحياء لسانها ، فالتزمت الصمت .
وأشارت إلى المولود الصغير ، هو سيخبركم وسيحدثكم ما الخطب ؟!!
﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ﴾ [ مريم : 29 ] .