ـ الجبين الذي أراه هو جبين سامر ابن أبي الوفاء. لقد ضمدت الجرح الذي أصاب جبينه صغيراً. هاهو ذا أثر الجرح إلى يمين الجبين. ولكن أرجو أن تفكوا العصابة عن عينيه لأتيقن من ذلك.
أشار قائدهم إلى أحد الحراس ففك العصابة عن عيني سامر فالتقت عيناه عيني الشيخ الحزينتين... فكر سامر "يا إلهي! كيف حل كل هذا الحزن في هاتين العينين!" وأومضت إشراقة من فرح على وجه الشيخ ثم اختفت كالبرق.. أدرك سامر أن في قرارة بئر أحزان هذا الرجل بقايا فرح إنساني أصيل ووميض أمل خافت.. وهمَّ سامر بالوثوب لعناق الشيخ فأعاقته القيود التي كبلوه بها.
تهدج صوت الشيخ وهو يقول:
ـ أجل، أيها السادة، إنه سامر ابن أبي الوفاء جاري وصديقي القديم، رحمه الله! ثم أطرق الشيخ وغمغم:
ـ كنت أعرف أنك ستعود يوماً وقد أتيت فأهلاً وسهلاً بك يا بني!
سمع سامر في صوت الرجل المرتعش صخب أمواج هائلة، وولولة رياح عاصفة، وأنين كرامة رجل حبيسة جريح تمضغ على مضض مرارات مهانات لا تطاق. وفكر سامر: "وهل في الدنيا أبشع من ذلك وأشد هولاً"؟!
قال أبو ماجد مخاطباً رئيس الحراس:
ـ أنا أعرفه جيداً يا سيدي. وإن كنتم ستسمحون له بدخول المدينة فأرجو أن تسمحوا له بالإقامة في منزلي.. فأنا ـ كما تعلمون ـ أعيش وحيداً منذ زمن بعيد.
فكر سامر: "يعيش وحيداً.. ولكن كيف؟ كان بيته بيت الحي الشرقي كله، وكانت بيوت الحي كلها بيته، ناهيك عن أبنائه وبناته!"
قال رئيس الحرس بقسوة:
ـ خذه يا أبا ماجد، خذه!
ثم توجه إلى الحراس وأمرهم:
ـ فكوا قيوده وليدخل إلى مدينتنا فنحن بحاجة إلى عبيد أقوياء.
فكر سامر مشفقاً: "عبيد أقوياء! هل هذا يعني أن أهل مدينتي صاروا عبيداً وضعفاء!"
أومأ أبو ماجد لسامر فتبعه صامتاً. طرقات المدينة مبلطة تنيرها مصابيح شاحبة.. الصمت شامل فلا صوت ولا حركة سوى وقع خطوات تتبع في الظلام الرجلين اللذين يسيران صامتين.
***
فتح أبو ماجد باب منزله وأضاء المصباح وأشار إلى مقعد وقال لسامر:
ـ تفضل، اجلس يا ولدي!
جلس سامر على المقعد وسارع أبو ماجد إلى إغلاق الباب وإيصاده ثم اقترب من سامر وقال:
ـ أرجو أن تخاطبني همساً وأن تصغي إليّ جيداً حين أكلمك كي تفهم ما أهمسه لك فلا أضطر إلى رفع صوتي. كما أرجو أن تنتبه جيداً لكل حركة أو إشارة أو رفة جفن تصدر عني أو أضطر إلى الصمت المطبق والسكون الأصم.
سأل سامر هامساً بخوف: