ـ حسناً، حسناً، سنغض النظر عن حنينك وشوقك الآن وسنشفيك منهما فيما بعد.. أما الآن فقل لنا من أي أحياء المدينة أنت؟
ـ أنا من الحي الشرقي. بيتنا قرب دغل الحور الذي قرب العين، مختار حارتنا يدعى أبو ماجد.. في حوش بيتنا شجرة جوز وسنديانة و...
ـ كفى، كفى... هيا، أحضروا المختار القديم أبا ماجد...
وبإشارة من قائدهم عصبوا عيني سامر وقيدوا يديه ورجليه ثم أدخلوه إلى مكان ما وأجلسوه على مقعد غير مريح.
عقدت الدهشة والخوف لسان سامر فلم يسألهم شيئاً. كان يفكر حزيناً: "أهكذا صارت حال مدينتي الحبيبة التي تركت العالم لأعود إليها؟ إذا كان مدخل المدينة هكذا فكيف هي الحال في داخلها؟ أتكون بوابة الجحيم أكثر هولاً من الجحيم؟"
شعر سامر بالندم لأنه عاد إلى هذه المدينة.. لكن خيال الإنسان العجيب الذي لا تستطيع أية عصابة أن تعصب عينيه، ولكن ذكريات الإنسان التي لا تستطيع أية أسوار أن تحول دونها جاءت لتنجد سامر في ساعته العصيبة هذه.. فهاهي ذي صورة الحي الشرقي ترتسم في مخيلته، وهاهي ذي شجرات الحور تميس بقدودها الرشيقة. إنه يسمع حفيف أوراقها ويسمع خرير مياه النبع. وهاهو ذا يلعب صغيراً مع أولاد الحي، وهاهي ذي الوجوه الإنسانية الطيبة تمر في خاطره تباعاً وتحييه وهي تبتسم بحب حقيقي وترحب به بحرارة. وينتفض سامر بإباء ويهمس بتصميم وحزم: "من أجلهم جميعاً أتيت ولن أبخل بأية تضحية في سبيل أن أعيش معهم، فإما أن نتحرر جميعاً أو نموت معاً ونحن نكافح".
وعادت وجوه رفاقه القدامى تطل تباعاً.. وجوه حبيبة لا يستطيع أن ينساها... وخطر له خاطر: "لقد كبروا جميعاً كما كبرت وصاروا شباناً كما صرت، فكيف سمحوا بحدوث ما حدث ويحدث؟ هل كان ما حدث أقوى منهم جميعاً أم تراهم تغيروا وحلت الفظاظة والأنانية محل الرقة والطيبة والشجاعة في نفوسهم؟ ليتني أعرف فوراً ما حل بهم!"
تعالت في الخارج ضجة ووقع خطوات كثيرة وسمع سامر صوتاً يقول:
ـ أحضرنا المختار العتيق أبا ماجد يا سيدي!
ارتعش سامر لسماع الاسم وارتسمت في مخيلته صورة الرجل الأسمر القوي الذي فرض مهابته على المدينة القديمة بطيبته وشهامته ورجولته وسأل نفسه: "ألم ينسني العم أبو ماجد؟ لقد طالت غيبتي وكبرت وتغيرت ملامحي فهل سيعرفني؟"
ودخلت جماعة إلى المكان وسمع سامر صوتاً يسأل:
ـ هل تعرف هذا الشاب يا أبا ماجد؟ وهل كان حقاً من أهل مدينتنا؟
قال أبو ماجد بصوت مرتعش: