تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

توفي الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيتي، وفي يومي وليلتي، وبين سحري ونحري، ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك رطب، فنظر إليه حتى ظننت أنه يريده، فأخذته فمضغته ونفضته وطيبته ثم دفعته إليه، فاستن به كأحسن ما رأيته مستناً قط، ثم ذهب يرفعه إلىّ فسقطت يده، فأخذت أدعو له بدعاء كان يدعو له به جبريل - عليه السلام - وكان هو يدعو به إذا مرض، فلم يدعو به مرضه ذاك، فرفع بصره إلى السماء وقال: «الرفيق الأعلى» وفاضت نفسه.

فالحمد لله الذي جمع بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا.

اليوم شاتٍ، ولكننا جميعاً نتصبب عرقاً فما عادت أجسادنا تستوعب أرواحنا، وما عادت أرواحنا تطيق البقاء محبوسة في هذه الأجساد، نرمق أمنا مضطجعة على جنبها، تأمل أن يبرئها ربها، ولا تطمع في وحي ينزل بذلك، وتكاد تزهق نفسها الشريفة حزناً، وامرأة من الأنصار تبكي إلى جوارها، ولسان حال الجميع «اللهم إن عيوناً تعلقت بك وبالرجاء فيك لن تراع ولن تخيب، وأيديًا امتدت إليك لن تعود صفراً، يا حيي من عبادك ياالله.

وفيما نحن كذلك أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما كان يأخذه من البرحاء حين ينزل عليه الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق من ثقل الذي ينزل عليه، وما أثقلها من لحظات على الجميع! كنا وأمنا وأهل بيتها ننتظر فرجاً، فالأمر بلغ الذروة، والغمة فاقت كل شيء، الجو موبوء بهواءٍ فاسد، افتقدنا كل معنى للنظافة، فلم يعد للسان نظافة، ولا للهواء نقاء، ولا للكلمات بريق، لقد أفسد وباء الشائعة

عفوا أم المؤمنين · الصفحة ٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

عفوا أم المؤمنينص ٣٢