فإن ضعف أخذهم بتعاليم الإسلام أخطر أثرا مما يبدو لأول وهلة. إن الإسلام لم يكن قشرة رقيقة تكسو أفئدة الأولين، ويمكن الانسلاخ منها مع بقاء كل شىء على وضعه الأصيل، كلا، لقد كانت هذه التعاليم جزءاً من يقظتهم العقلية وفضائلهم النفسية، بل لقد كانت الروح الكامن في كل نهضة والمدد الباعث على كل تقدم. فلما ضعفت، تخاذل ما وراءها واستحال رفاتا هامدا بعدما كان جسداً نابضاً. أجل!. إن حضارة المسلمين في فنون الحياة وأنحاء العمران، والأنصباء الجزلة التى حصلوها من المعارف الكونية والنبوغ المادى، لم تجئ إلا عقب تشبعهم بالثقافة الإسلامية وتذوقهم لما فيها من حرية وانطلاق وسماحة وإشراق. فلما فسدت هذه الثقافة في أيديهم، أو لما عجزوا عن التحليق إليها والإفادة منها باءوا بالفشل في أحوالهم جميعا. لا فارق هنالك بين العبادات والعادات، بين الأدبيات والماديات، بين تخطيط المجتمع بالفضائل والتقاليد النبيلة، وبين تخطيط الأرض بروائع الهندسة والعمران ... إن الأمة التى أهملت قول الله، (حافظوا على الصلوات) هى التى أهملت قول الله، (انظروا ماذا في السماوات والأرض). والتى أهملت قوله: (أفلم يدبروا القول). هى التى أهملت (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها). ولو أن أمتنا أخذت بنصف هذه النصوص وأضاعت نصفها الآخر لانتهى هذا بها إلى أن تكون ممن قيل فيهم (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض). إن الحضارة الكاملة لا تتم إلا باستجابة كاملة لهذه التعاليم كلها. ولقد كان الأسلاف الكبار طليعة مرموقة بالإجلال والإعزاز في دينهم ودنياهم معا، وكانت نظافتهم البدنية والروحية ومدنيتهم التى تجاور فيها معاشهم ومعادهم مثلا يحتذى أو نسقاً يحتفى به المؤمن والكافر .. وتستطيع أن تدرك المدى بين تقدم " أوروبا " الآن في النواحى المدنية وبين تأخرنا لتعرف البون بين ما وصلنا إليه قديما من ارتقاء شامل وما كانت عليه حالة العالم بالنسبة إلينا يومئذ. ص _253
ظلام من الغرب · الصفحة ٢٥٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
ظلام من الغربص ٢٥٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي