وذلك أن الشيخ أحمد السوركتي (ت 1364) ألَّف رسالة صغيرة سماها "المسائل الثلاث" ضمنها الكلام على الاجتهاد والتقليد والكلام على بعض مسائل في السنة والبدعة والعقيدة، فجاء أحدهم بهذه الرسالة إلي الشيخ وطلب منه رأيه في مؤلفها وفيما ذكره، وسأله أن يكتب عن هذه المسائل فأجاب الشيخ على سؤال هذا السائل بهذا الكتاب الكبير.
وقد ألَّف الشيخ هذا الكتاب سنة 1344 أي وعمره اثنان وثلاثون عامًا، وهذا يدل دلالة واضحة على قوّته العلمية، ونزوعه إلي الاجتهاد واتباع الدليل في وقت مبكر إذا اعتبرنا أن الفترة التي قضاها عند الإدريسي ومن قبلها أيام مكثه في بلده اليمن كان فيها متقيدًا بالمذهب الشافعي، وهذا حديث يحتاج إلى بسط وتفصيل ليس هذا موضعه.
2) الرحلة إلى الهند (1345 - 1371)
لم يطل مكث الشيخ المعلمي في إندونيسيا، فرحل إلى الهند أواخر سنة 1344 أو أوائل التي تليها؛ لأنه من المؤكد أنه وصل الهند سنة 1345 وبدأ في هذه السنة عمله في دائرة المعارف العثمانية في حيدراباد الدكن.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال: هل كانت وجهة الشيخ من عدن إلى الهند وكانت إندونيسيا مجرد محطة عبور، أم كانت الوجهة إلي إندونيسيا ثم أنشأ رحلة أخرى إلى الهند؟ هذا ما لم نجد ما يحدّده لنا من خلال ما وقفنا عليه من تراثه، لكن الذي يترجح لي أن الشيخ رحل إلى إندونيسيا قاصدًا لها لا مارًّا بها؛ لأن إندونيسيا أبعد من الهند وليست محطة في الطريق إليها. الأمر الثاني: لم يتعرض الشيخ ولا مترجموه لذكر هذه الرحلة فكأنّ الشيخ قد أسقطها من الذكر لقِصَر مدتها فلم تمثل له محطةً تستحق الوقوف عندها، والله أعلم.
عاشرًا: الدفتر الرابع من كتاب العبادة. وهو محفوظ في مكتبة الحرم المكي بالرقم العام 4937. وهو متسلسل الصفحات بدءًا بـ ص 289 وانتهاء بـ ص 396، ثم تتصل ببقية صفحات نسخة (أ) ابتداءً بـ ص 397 إلى ص 741، وهي آخر ما عُرف من الكتاب.
* عاشرًا: عملي في الكتاب، ومنهج التحقيق.
1 - قمت بنسخ الرسالة، ووضعتُ رقم صفحة المخطوط بين معقوفين أمام بداية كلَّ صفحة من صفحات المخطوط.
2 - ميَّزتُ بالحرف (ز) أرقامَ صفحات المخطوط التي زدتُّها من القطع الثلاث التي وضعتُها في أوائل الكتاب، وعلَّمتُ بالحرف (س) أرقامَ صفحات المخطوط التي أضفتُها من نسخة (س) ورديفتها غير المرقمة، تمييزًا بين الأرقام المتشابهة، كما ميَّزتُ بالحرف (ب) أرقام صفحات نسخة (ب).
3 - قابلت الرسالة بعد نسخها بالأصل مرتين.
4 - قام المؤلف بعزو الآيات إلى سورها، وتخريج الأحاديث وتوثيق الأقوال غالبًا، واستكملت النقص في القضايا الثلاث عند الحاجة، وعلَّقت على ما رأيته بحاجة إلى تعليق.
5 - ترجمتُ للأعلام الواردين في الرسالة ممن رأيته يحتاج إلى التعريف به.
6 - أثبت تعليقات المؤلف في الحاشية وختمتها بـ (المؤلف).
7 - عرَّفت بالبلدان المغمورة غير المشهورة.
8 - خرَّجت الأبيات الشعريَّة.
9 - شرحت الألفاظ الغريبة.
وآله وسلم أن تُجَصّص القبور، وأن يُجْعَل عليها من غير حُفْرتها". ابن النجار.
[ص 24] وأما عنعنة ابن جريج؛ فإنها وإن كانت قادحةً في الصحة، فإنها لا تقتضي شدة الضعف؛ لأنها تحتمل الوصل وعدمه، فإن كان الأول؛ فالحديث صحيح، وإن كان الثاني؛ فالحديث على الأقل حسن عند ابن جريج؛ لأنه لا يدلس إلا عن ثقة عنده على الأقل، ولذلك جعلوا ما عنعنه المدلس مما يصلح أن يبلغ درجة الحسن لغيره إذا اعتضد، بل نصوا على أن من الضعيف الذي يبلغ درجة الحسن لغيره إذا اعتضد ما كان فيه انقطاعٌ بين ثقتين حافظين، فما عنعنه المدلِّس من باب أولى؛ لاحتماله الوصل. انظر "فتح المغيث" (1) (ص 24).
فأما ما ورد من مشروعية زيادة مخصوصة، كوضع شيءٍ من الحصى، وكوضع الحجر؛ فإنه يكون تخصيصًا لعموم النهي عن الزيادة، فلا يدلّ على عدم النهي مطلقًا] (2).
الإِمام أحمد في "مسنده" (3) (جزء 3/ ص 295): ثنا محمَّد بن بكر ثنا ابن جُرَيج قال: قال سليمان بن موسى قال: قال جابر: "سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم ينهى أن يُقْعَد على القبر، وأن يُجَصَّص، وأن يُبْنى
أبي الزبير عن جابر قال: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم أن يُبنى على القبر، أو يُجَصّص، أو يُقعد عليه، ونهى أن يُكتب عليه".
صححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي.
قال الحاكم: وقد خرجته بإسناده "غير الكتابة"، فإنها لفظة صحيحة غريبة.
أقول: قد تقدم حال حفص، والعنعنة، لكن في هذه الرواية زيادة النهي عن الكتابة، ولا يقال: لعلها من رواية حفص بعد ما اسْتُقضي من حفظه، إذ قد تابعه في روايتها عن ابن جريج أبو معاوية عند الحاكم، ومحمد بن ربيعة عند الترمذي، ومحمد بن خازم (1) عند الطحاوي.
• [ص 87] (2) الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3): حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا مسدد قال: ثنا حفص عن ابن جريج، فذكره بإسناده مثله.
أقول: يعني مثل (4) الحديث الذي قبله، وقد تقدم ولفظه: "نهى رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم عن تجصيص القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها".
• [ص 88] "صحيح مسلم" (5): وحدثنا يحيى بن يحيى أنا إسماعيل بن
وقد اعترف عقلاء الإفرنج على قلة علمهم بالشريعة الإسلامية بأنها أكمل تشريع يمكن [ص 37]، حتى قال (1): [جيبوب: إن الشريعة المحمدية تشمل الناس جميعًا في أحكامها، من أعظم مَلِك إلى أقل صعلوك، فهي شريعة حُبِكت بأحكم وأعلم منوال شرعي لا يوجد مثله قط في العالمين].
الجواب وقسَّمه قسمين: الأول لبيان أحكام الربا وأنواعه، والثاني في البحث مع صاحب الاستفتاء.
أما القسم الأول فسوف نلقي نظرةً سريعة لمعرفة محتوياته. بدأه الشيخ بمعرفة الحِكَم للأحكام الشرعية، وفوائد البحث عنها، ثم تطرق إلى الكلام على البيع وبيَّن أصوله، ثم انتقل إلى الحديث عن الربا، وأن ما ينشأ عنه من المفسدة غير موجود في البيع والقرض والهبة، وردّ على أولئك الذين يقولون: إن الربا ليس بظلم لكونه برضا الطرفين مثلما هو في البيع، ولأن فيه فائدةً للمقرض (لما يحصل له من النفع) والمستقرض (لأنه يتجر به فيستفيد). كما ردّ على شُبههم في بيان مضرة القرض (بدون ربا) بالنسبة للمقرِض، وذكر فوائد كثيرة للإقراض بدون ربًا.
ثم وضع عنوان "مفاسد الربا"، وقدم لها بتمهيد في بيان أن المقصود من تشريع الأحكام هو تطبيق العدل، ومن أجله وُضعت العقوبات، وتحدث على سبيل المثال عن عقوبة الزنا لبيان أن حكمة التشريع تقتضي أن يكون بناء الأحكام على الغالب، وأن سنة الله فيها التدريج.
ثم انتقل إلى الكلام على مفاسد الربا، وتوصَّل في النهاية على أن مَنْع الربا يضطرُّ كلَّ فردٍ من الأفراد إلى أن يكون عضوًا عاملًا نشيطًا، ينفع الناس وينتفع، ويفتح باب الغنى لأهل الكدّ والعناء، ويستخرج الأموال من أيدي من لا يستحقها.
وبعد إيضاح الفرق بين البيع والربا ووجه التحليل والتحريم في الشريعة أورد سؤالاً، وهو أن الفقهاء يحلِّلون بيع السلعة نَساءً بأكثر من ثمنها نقدًا،
وأسأله - جل وعلا - أنْ يرفع قَدرْ كلِّ مَنْ أبدى لي ملاحظةً أو تصويبًا أو قدَّم لي عونًا أو رأيًا وأرجو من العليم الخبير أن يجعل لي أجرين إن أصبت، وأجرًا واحدًا إنْ أخطأت، والخطأ نعت الإنسان، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف أنبيائه ورسوله سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وأزواجه إلى يوم يبعثون.
وكتب
أبو صفوان أسامة بن مُسلَّم الحازمي
في مكة المكرمة صانها الله من كل سوء
22/ 5/ 1432 هـ
(1) (1/ 75).
(2) من قوله: "سيأتي في حديث جابر ... " إلى هنا ذكره المؤلف في الفصل الأول، ثم كتب فوقه: (ينقل إلى الفصل الثاني شرح حديث جابر) ولم يحدد مكانه، فلعل هذا مكانه المناسب.
(3) رقم (14144).
(1) محمَّد بن خازم عند الطحاوي هو نفسه أبو معاوية عند الحاكم، وإنما اشتبه على المؤلف لأنه جاء في سند الطحاوي "ابن حازم" مصحفة بالحاء المهملة، والله أعلم.
(2) ترك المؤلف (ق 86) بياضًا.
(3) (1/ 516).
(4) الأصل: "مثله" سهو.
(5) رقم (970/ 95).
(1) ترك المؤلف سطرين بياضًا ليلحق القول لكنه لم يفعل، والقول الذي أثبته وجدته في كنّاشة للمؤلف (رقم 4727) (ص 66) علّقه من جريدة البلاغ المصرية بتاريخ الاثنين 5/ ربيع الأول سنة 1347. ثم نقل المؤلف في كناشته السالفة قولًا آخر للمسيو ليون روش قال: "لم أذكر شيئًا في قوانيننا الوضعية إلا وجدته مشروعًا في الدين الإِسلامي، بل إنني عدت إلى الشريعة التي يسميها جول سيمون "الشريعة الطبيعية" فوجدتها كأنها أخذت من الشريعة الإسلامية أخذًا. ولقد وجدت فيه حلّ المسألتين اللتين تشغلان العالم، الأولى: في قول القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] فهذا جمل مبادئ الاشتراكية. والثانية: فرض الزكاة على كل ذي مال وتخويل الحكومة أخذ حقوق الفقراء من الأغنياء إذا امتنعوا من دفعها طوعًا". ثم قال: "ولو أن هذا الدين وجد رجالاً يعلمون الناس حق التعليم، ويفسّرون تمام التفسير لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين وأسبقهم في كل الميادين". اهـ.
ويمكن أن نذكر بعض كلماتهم مما نظن أن المؤلف أراد الإشارة إليه:
قال درواني: "على صعيد القانون في مجال العدل والإنسانية وفي مجال الحكمة والشفقة، فإنَّ قانون الإسلام لا مثيل له بين أديان العالم ... [وهو] لا يقيم وزنًا للأشخاص والذوات الشخصية، ولا يعترف بأية امتيازات أو طبقات ... وهنا أيضًا لا يوجد أي قانون حتى في القرن العشرين يمكن أن يضاهي القانون الإسلامي ... ".
وقال ستوك: "أعتقد من صميم قلبي أن الإسلام منهج كامل للحياة يغاير المسيحية، والحق أن الإسلام هو الدين الكامل الوحيد".
انظر كتاب "قالوا عن الإسلام": (ص 174، 194) لعماد الدين خليل.