تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد انتفع المعلمي بشيخه أحمد بن محمد المعلمي، وكان بينهما مراسلات عديدة، وصفه شيخُه في تلك الرسائل (1) بأوصاف تدلّ على نبوغه المبكر وألمعيته السريعة، وقد أجازه إجازةً عامة في الحديث وغيره من كتب العلم سنة 1335 وعمره ثلاثة وعشرون عامًا، وأشار إلي إجازته هذه الوشلي في "نشر الثناء الحسن" (2) مما يدلّ على اعتداد الشيخ بها.

ولتمام الفائدة نسوق هنا نصَّ إجازته من شيخه أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الرواية من الدين؛ لكونها سببًا موصلًا إلى سيد المرسلين بل إلى رب العالمين. وبذلك أيضًا حصلت الصيانة له عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين، حتى قيل: إن كل فائدة لم تُسند إلى صاحبها فهي لقيطة كالطفل المنبوذ الذي لا يُعرف أبوه في المنتسبين.

والصلاة والسلام على سيدنا وواسطتنا إلى ربنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد:

فإن من جملة طرق الإسناد الإجازةَ التي مضى عملها بين الزهاد، ومضى العمل بها قديمًا وحديثًا، وسعوا في طلبها سعيًا حثيثًا.

وقد التمسها من الحقير مَن هو أحقّ بها وأهلُها لحسن ظنِّه بأنه يحسنها ومن رجالها. والحقيقة بأنه كالسُّلَم لسبب الرقيّ إلي ذروتها. فالآمر المقرّر على الارتقاء إلى السطح آمرٌ بالسُّلَّم، ليس فيه فضيلة سوى الصعود عليه، فهو كالواو من "عَمْرٍو" المنسوب إليه.

وصفه للنسخة الخطّية للكتاب: "سقط من ص 91 - 397، وذلك عند ما تكلَّم الشيخ المعلمي على الحديث الضعيف، وهذا الجزء استلَّه الشيخ رحمه الله من الكتاب، وجعله في جزء مفرد، وذلك لأنَّ الشيخ توسَّع في هذا المبحث جدًّا"، ثم قوَّى حجَّته بما نقله عن المؤلف من قوله في رسالة (بيان البدعة): "فإني ألَّفت رسالة في "رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، وتحقيق معنى التوحيد والشرك بالله"، ونبهتُ في مقدَّمتها على الأمور التي يحتجُّ بها الناس ويستندون إليها وهي غير صالحة، فجاء في ضمن ذلك الحديث الضعيف، فرأيت الكلام فيه يطول، فأفردتُه في رسالة" إلى آخر ما نقله من كلامٍ آخر لا تعلُّق له بمسألتنا.

والظاهر أنَّ المحقِّق يفهم من إفراد أحكام الحديث الضعيف برسالة خاصَّة أنَّ ذلك استلالٌ لها من الكتاب، وليس ذلك بلازم؛ فإن المؤلِّف بصدد الكلام على أمور يستند إليها بعض الناس وهي ليست صالحة للاستناد، فذكر منها التقليد، والرأي المجرد، وتفسير الكتاب والسنة بغير علم، والرؤى والمنامات، والكشف، وخوارق العادات، والحديث الضعيف، وقد فصَّل في حكم الحديث الضعيف بما يناسب المقام فكتب فيه تسع صفحات بحسب المطبوع، فكيف يقال: إنه استلَّ هذا الجزء؟

وكونه ذَكَر في كتابٍ آخر له أنه أراد إفراد هذا المبحث بتأليف مستقلٍّ لا يُسوِّغ لنا دعوى أنَّ ثلاثمائة الصفحة المفقودة من الكتاب كلُّها في الحديث الضعيف، وأنَّ المؤلف استلَّها وجعلها هي نفسها كتابًا آخر، كيف والجزء المُدَّعى استلالُه قد وصلت إلينا مخطوطته، وهي لا تكاد تزيد على ثمانين صفحة إن سَلِمتْ من التكرار.

5 - [ص 54] وفي "تهذيب التهذيب" (1) في ترجمة خارجة: قال ابن نُمَير وعَمْرو بن علي: مات سنة (99). وقال ابن المديني وغير واحد: مات سنة مائة. اهـ.

فالأكثر كما ترى أنه مات سنة مائة.

وقال ابن عساكر في "تاريخه" (2): "الصحيح الذي عليه أكثر الروايات أنه توفي سنة مائة". اهـ.

وذكر قبل ذلك ما لفظه: "وقال العجلي: خارجة مدني ... وقال: رأيتُ في المنام كأني بنيتُ سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت (3)، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها. فمات فيها" اهـ.

أقول: وقد ذكر هذه القصة ابنُ سعد في "الطبقات" (4) من روايته عن الواقدي بسنده، ونقلها عنه ابن خلِّكان (5)، فإن صحَّ هذا كان مولده سنة (30). فيكون سِنّه يوم قتل عثمان نحو خمس سنين؛ لأن عثمان قتل سابع ذي الحجة سنة (35)، فكيف يكون من الشبّان زمن عثمان.

...

وأما قول فَضالة: "أخِفّوا عنه"؛ فالظاهر أنه رأى التراب الذي حول الحفرة كثيرًا، بحيث إذا رُكِم فوق القبر ارتفع زيادةً على القدر المشروع، فأمرهم بالتخفيف، [ص 53] بأن لا يجمعوا التراب كله، بل يقتصروا على ما يبلغه القدر المعروف للقبور. أو يكون قال لهم هذا بعد أن ركموا التراب، ورآه كثيرًا، بحيث صار القبر مرتفعًا زيادةً عن القدر المشروع.

وأما ما نقلناه عن "كنز العمال" (1) - إن صح - فالتسوية هي: تسوية القبور في ذاتها. وقوله: "على وجه الأرض" احترازٌ من أن يُظن أن المراد بتسويتها في جوف الحفرة، والله أعلم.

ومما هو صريحٌ في الرفع: ما ثبت في رفع قبر النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم، وقبري صاحبيه، كما سيأتي. وما تقدم من حديث ابن أبي شيبة، وغير ذلك. والله أعلم.

...

فلماذا يميتهم؟!

ويؤكد ذلك بأن كثيرًا من [ص 24] الناس يموتون قبل أن يلقوا في حياتهم الدنيا ما يُعدّ جزاءً لأعمالهم، فكثير من الأخيار يعيشون عيشةً نَكِدة حتى يموتوا، وكثير من الظَّلمَة يعيشون في رغدٍ من العيش حتى يموتوا، فإذا لم تكن هناك دارٌ أخرى فقد كان مقتضى الحكمة أن لا يُمِيت الله عزَّ وجلَّ أحدًا حتى يستوفي جزاءه، فكابر ذلك الفرد أو الأفراد، فقال ما قَصَّه الله تبارك وتعالى.

وذلك كما كابر بعض اليهود فيما قصه الله تبارك وتعالى ورده بقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:90 - 91].

الاحتمال الثاني: أن يكون الله عَزَّ وَجَلَّ أراد به القول الذي كان شائعًا بينهم من نِسْبة الحوادث إلى الدهر، كما هو كثير في أشعارهم، فإن ذلك وإن كُنّا إذا عرضناه على ما عُلِم من اعترافهم بوجود الله عَزَّ وَجَلَّ وأنه المدبر يترجَّح لنا أنهم إنما كانوا يطلقونه مجازًا، إلا أنه لمَّا شاع وذاع بينهم كان من أشدِّ أسباب الغفلة عن الله عَزَّ وَجَلَّ وتدبيره، وصار أحدهم يطلقه تبعًا للاستعمال الشائع الذائع، وربما يغفل عن كونه مجازًا، وإن كان إذا نُبَّه وقُرِنَ له ذلك بما يعترف به من وجود الله عَزَّ وَجَلَّ وأنه المُدبِّر تنبه لأنه مجاز.

ونحن نجد كثيرًا من المسلمين يستعمل ذلك، كقوله: "الدهر معاند لي"، "الدهر لا يساعدني"، وذلك كثير في أشعارهم، وكثير منهم لا يستحضر عندما يقوله أنه مجاز، وإنما سمع الناسَ يقولون فقال، وإن كان إذا

نموذج من تفسير قوله (حافظوا على الصلوات ...)

فإن قيل: إن التعليقات الغفل المذكورة ظاهرة الدلالة على أنها للمحقق، لا للمؤلف، ومن ثم لا يضرها عدم وجود الرمز. قلنا: ليس الأمر كذلك، بل قد يشتبه بعضها على القارئ كما سبق، ثم إن التعليقات التي حرص الشيخ على إثبات الرمز في آخرها، كثير منها أشد ظهورًا من تلك الغفل على كونها للمحقق.

وقد بذل الشيخ الألباني رحمه الله جهدَه في تصحيح النص، ومع ذلك لا يستغرب أن تندّ أخطاء من أخطاء الطبع وغيره، وإليكم نماذج منها:

- المجلد الأول ص 38 س 14 "إلى صدقه". الصواب: لي صدقُه. وقد صحح هذا الخطأ في الطبعة الثانية الصادرة من المكتب الإِسلامي.

- ص 64 س 4: "على ابن معين". الصواب: عن ابن معين.

- ص65 س 13: "سئل عن إسحاق". الصواب: سئل عن ابن إسحاق.

- ص 81 س 14: "عاصم وغيره عن قتادة". الصواب: عاصم وغيره عن معاذة.

- ص 110 س 2: "عبد الله أبان الهيتي". الصواب: عبد الله بن أبان الهيتي.

- ص 130 السطر الأخير: "دخل بغداد نخلًا". الصواب: نخَلَ بغداد نخلًا.

- ص 133 السطر الأخير: نقل المؤلف عبارة من "تذكرة الحفاظ"

الورقة الأولى من "الاستبصار في نقد الأخبار"

ثم نظرت الشريعة إلى الأيام التي حدثت فيها نعم عظمى عامة فرأتْ أن المثلية تُذكِّر بالنعم، فشرعت في أمثال تلك الأيام عباداتٍ مخصوصة، فإذا حدثت النعمة في يوم عيَّنت العبادة في مثله من كل أسبوع، وإذا حدثت النعمة في شهر عيَّنت العبادة في مثله من كلِّ سنة. فمن الأول: يوم الجمعة، وقد تحدَّث عن فضله وأهميته, وردَّ على من يعدُّونه عيدًا لأن كثيرًا مما شُرِع في العيد شُرِع فيه، وناقشهم في الأمور التي ذكروها، ومنها النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيام وليله بقيام، وبيَّن الحكمة في ذلك، كما ذكر حكمة تشريع صيام يوم الاثنين شكرًا على النعمتين العظيمتين: ولادة رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنزال القرآن عليه، كما في حديث أبي قتادة الذي رواه مسلم (1162).

ثم تطرَّق إلى الرد على القائلين بالاحتفال بالمولد النبوي بطريقة لطيفة حيث قال: "إن المسلمين - ويا للأسف - نسُوا صوم يوم الاثنين وما في صومه من شكر الله عزَّ وجلَّ، وما يتضمن ذلك من محبته - صلى الله عليه وسلم -، حتى إن أكثرهم يجهل ذلك، ولم أرَ طولَ عمري من يصومُه بتلك النية ولا من يذكره. إلاَّ أنني سمعتُ من يذكر الحديث احتجاجًا على مشروعية الاحتفاء بثاني عشر ربيع الأول، فالله المستعان".

ثم تكلم عن مشروعية صوم عاشوراء، وهناك أيام حدثت فيها نِعَمٌ في العهد النبوي، ولم يُشرَع تخصيص أمثالها بعبادةٍ اكتفاءً عنه بغيرها، وهكذا الأيام التي حدثت فيها النِّعم بعد العهد النبوي ليس لأحدٍ تخصيص أمثالها بعبادة مخصوصة, لأن الدين قد كمُل في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولأن كلَّ نعمةٍ عامة للمسلمين حدثتْ بعده - صلى الله عليه وسلم - فهي فرع عن النعم التي حدثت في عهده.

والمقصود من الكلام السابق كله بيان أن الأيام التي تحدُثُ فيها النِّعم العظام لا يجعلها الشرع أعيادًا، وإنما يجعلها مواسم للعبادات شكرًا على

الأسماء المبهمة كذلك - يدلّك على ذلك قولهم في الجمع: (ذوو مالٍ، وذوات مال) إلا إنه قد جاء في القرآن: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ و ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ وهذا ينبئ أن الاسم ثلاثي، ولامه ياء، انقلبت ألفًا في تثنية المؤنث خاصةً" (1).

ثم استرسل السهيلي في بيان تصريف (ذو - وذات) بكلام فيه نكتٌ ألمح إليها المعلِّمي دون أن يقف على كلام السهيلي.

ولْتعلم أنَّ سبب الإشكال الذي من أجله بيَّن المعلِّمي وغيره تصريف (ذو وذات) هو أنَّ لام الكلمة حُذِفَ في المفرد المذكر، والمفرد المؤنث، وفي جمعي المذكر والمؤنث، ورجعتْ - أعني اللام - في المثنى كما في ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ علي غير الأصل، وكان الأصل أن يقال: (ذاتا) وقد ورد بقلّةٍ، فلا يظننَّ ظانٌّ أن نحو: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ و ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ صيغة جمع لـ (ذات) كَلَّا، بل هي تثنيةٌ بردِّ اللام على غير الأصل، والله أعلم.

****

الرسالة السابعة: إشكال صرفي وجوابه:

استشكل المؤلف لِمَ لمْ يعامل جمع (خطيئة) وبابه معاملة جمع (رسالة، وصحيفة، وعجوز) مع أنَّ وزن المفرد فيهما واحد وهو (فعيلة) ويجمعان - أيضًا - على (فعائل) في أحد تصاريف (خطايا) وبابه (2).

تتمات وملاحظات لتعليقات الأستاذ فؤاد عبد الباقي

(1) كما سيأتي في مبحث الثناء عليه.

(2) (3/ 221).

(1) (3/ 95).

(2) (15/ 395 - 396).

(3) كذا هنا وفي (المسوّدة ص 31) والتاريخ, وفي بعض المصادر: "تدهورت".

(4) (7/ 258 - ط الخانجي).

(5) في "الوفيات": (2/ 223).

(1) انظر ما سبق (ص 45).

(1) راجع نتائج الفكر (ص80).

(2) انظر التصريح للأزهري فقد بيَّن الأعمال الخمسة التصريفية في كلمة (خطايا) كما في (2/ 371).

· الجزء ١ · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ج ١ · ص ٤٩