صفعت وجهها، كيف للحياة أن تدب بروحها الميتة؟ الذكرى تميت الروح، ما يخفف عنها مصابها، طيف والدها الذي يزورها، ويظل معها يحادثها وقبل أن يغادر يعانقها ويعدها بدوام زياراته، لو كان على قيد الحياة لرفض مجرد فكرة البحث عن زوج، كان على خلاف مع أمها في العديد من الأمور الدينية والدنيوية، يهزأ من أفكارها المستسلمة للقدر، وكأن الإنسان لا يستطيع فعل شيء، ستزور قبره، وستنتقي أحلى باقة ورد، وتطلب منه أن يسامحها لأنها لم تقل رأيها، ولم تحتج على كلام أمها وأفكارها، حين أبلغتها بأنها منذورة للزواج من شيخ، لم تفعل شيئاً، إنها الإرادة الإلهية، الله سبحانه وتعالى يلهمها إلى الصواب ويحدد مسيرتها.
أعلنت فرات أنها غير منذورة لأحد، هي وحدها التي ستحدد حياتها ومستقبلها، ارتاحت نفسها بعد زيارة قبر والدها، قبلت ما حصل على أنه امتحان. بفرح قال حامد: "تهانينا!"
نظرت إلى عينيه المشرقتين بالأمل، سكتت، لم يعد بجعبتها ما تقوله هذه الليلة، حدثته عن ماضيها الذي لم يعد ملكها، يقاسمها إياه أفراحاً وأتراحاً، النادل يقدم فنجان القهوة للمرة الثانية، تناول فنجانه، وضعت يدها بيده، أحست بدفئها، سارت إلى جانبه، إلى يساره، لا تستطيع أن تكون في غير هذه الجهة، تسمع دقات قلبه، وتحس بكل حركة يقدم عليها، أما هو فقد استعد ليحدثها عن ماضيه، ليكون صفحة بيضاء أمامها، لا خربشات عليها، أية خربشة لن تكون إلا لها أو بإرادتها.
-10-