آه من الحزن.. ما هو الحزن؟! هو أن تفقد كلّ الأشياء حولك ألوانها وأن تنفذ أنت من خلال الأقنعة والستائر إلى كوامن الأشياء. ليتكشّف لك سوء ظنك وبدائيّة قرون الاستشعار التي يملكها حسّك، فترتمي بكل خذلان أمام نفسك وتبدأ بالبكاء. إذاً البكاء هو وسيلة الحزن على التعبير وأداته البدائية. أو هو تلك اللحظة الحاسمة التي تدرك فيها حجمك تماماً. فإما أن تفقد كلّ أبعادك دفعة واحدة وتستسلم لليأس. وإما أن تتضخمّ ذاتك أمام ضآلة الكون وتهرع بكل حنكة إلى نسيان ما اكتشفت.
هذا ما كنت أفكر وأشعر به وأنا أزيح غطاء الحزن عن قلق الليلة الفائتة. وقررت أن أستجمع كل قواي وأهذّب قرون استشعاري وأمضي. فلدي أعمال سأقوم بها.
دخلتُ مكتبي لأرى عشرات الموظفين والموظّفات يهرعون إلى استقبالي ومواساتي.. حادثتهم.. شكرت لهفتهم.. دخلت غرفة المدير.
وقف ذاك المربع يحمل كرشه كامرأة متعبة في شهرها التاسع.
ـ أهلاً.. أهلاً بعودتك يا ابنتي.
ـ أهلاً بك أستاذ.. لكني ما جئتُ إلا لأذهب.. فأرجو توقيعك على إجازة سنوية. لو سمحت.
ـ سنة يا رولى.. لماذا؟! البارحة كانت شهراً.
ـ لأنني أريد أن أسافر.
ـ إلى أين؟!!
ـ أستاذ.. هذا شأني.
ـ رولى لماذا تحادثينني بهذا النفور؟! أنا قلق عليك يا ابنتي. الوحدة قاتلة والعمل يحتاج مهندّسة نشيطة مثلك. صَمَتُّ فجأة. نسيتُ أنني مهندسة تماماً، لكنّ فكرة السفر أخذت تزيد التماعاً في ذهني. كانت حجة للإجازة. لكنني الآن حقاً سأسافر وسأفاجئ فهداً بقدومي المباغت. وإذا بصوت المدير يعلو تدريجياً.
ـ آنسة رولى.. آنسة رولى.. أين كنتِ؟!
ـ عفواً أستاذ.. أرجوك أن توقع هنا!!
ـ لا بأس.. إذا كانت هذه رغبتك.
شكرته وانصرفت وأنا لا أرى أمامي سوى حقائب وتذاكر وطائرة تطير بي نحو غيمة تبكي، وطفلة تبكي، وأرجوحة مبللة تحت وطأة مطر لا يرحم، تذكّرت المنام الذي استيقظتُ عليه وهاهو الآن يلمع فكرة في ذهني أو قدراً في ذهن الله.
* * *
الفصل السادس
اليوم موعد السفر. لم أخبر فؤاداً بذلك، ولن أخبره فتصرّفه وضع حوله ألف إشارة استفهام وتعجّب. وما علاقته بي..؟! أيكون زوجي أو حبيبي أو..؟! إنه لا يعنيني على الإطلاق. نعم سأخرس نداء لهفتي وأشواقي. وأسمع فقط نداء الخوف الكامن خلف واجبي.
سيفاجأ فهد عندما يراني أمامه والحمد لله أنني مازلت محتفظة برسائل أختي لآخذ العنوان منها.