تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد أن تناولنا القهوة طلب مني التحدّث عن ميس، وعن طريقة موتها، وعن كل تفاصيلها. كنتُ أتحدث، وكان يصغي بكل صمت، وكأنه قطعة إسفنج. كان يتشرب كلامي ليغذي روحه. تحدثت طويلاً وأصغى بكل اهتمام، ثم طلبتُ منه أن يحادثني عن ميس وعن تفاصيل دقيقة أيضاً في علاقتيهما. بعد أن أخذ نفساً عميقاً نظر إلى البعيد وكأنه يشاهد فيلماً. ثم قال: بصوت يقطر دماً وينضح حزناً: بدأت القصة هناك في البرازيل، عندما التقيتُ والدك في أحد شوارع (سان باولو) كان قد اشترى طعاماً شعبياً ليتذكر وطنه في وجبة دافئة. وعندما بسمَلَ عرفتُ من لكْنَتِهِ أنه عربي. وفي بلاد الغربة تصبح آذاننا كالرادار تلتقط أي لفظة عربية. فقلت له وأنا أجلس قربه أتناول وجبة مشابهة بالهناء والشفاء.. التفت نحوي وقال: تفضّل، شكرتُه وجلسنا. بعد تناول الطعام أخذنا نتبادل الذكريات. كان والدك يكبرني بخمسة عشر عاماً. طلب مني مشاركته السكن. بعد مدة انتقلت إلى مكان سكنه. كان غريب الأطوار. كثير الصَّمت، لكنه كان كريماً جداً. ومخلصاً جداً. ما كان يستطيع النوم ليلة قبل أن يتأمل صورتكم ويقبّلها، ثم يضعها تحت الوسادة وينام، وكأنها ستدخل في أحلامه، فقط إذا كانت تحت رأسه. مرة أخذت الصورة لأشاهدها، فقد كان يثير فضولي كلما أطال النظر فيها، وحقاً وجدت أنها تستحق كل هذا التأمَّل، وخاصة ابتسامة ميس، تلك الطفلة التي تشبه برعم زهرة في أول الربيع، وكم جن جنونه عندما لم يجد الصورة تحت الوسادة، لكنّها كانت تنام في جيبي قرب نبضي فتجعلني أكثر سعادة وتفاؤلاً: أعطيته إيّاها بعد أن قطع لي عهداً بأن يزوجني ميس إن كانت ما تزال حرة. طبعاً كانت أحلاماً تؤنس ليالي الغربة، ولكن بعد ثلاثة أشهر ورؤية ميس شخصياً، تفاقم الموضوع. فطلبتُ يدها منه وذكرته بوعده لي. كانت ميس طبعاً لا تعرفني. لكنّ والدك يعرف أدق تفاصيل دماغي وحياتي. عرف قلبي. حبي. كرمي. عفواً أنا لا أقصد التفاخر، أقصد إظهار سبب والدك وإصراره على زواجي من ميس لأنه يعرف أيضاً مقدار ثروتي وطريقة الحصول عليها. وكم مرّة تعرضت للسرقة وللقتل من وراء هذه الثروة وهو يدري أيضاً أنها لا تساوي عندي ابتسامة من ثغر ميس. وللأسف حاولت كثيراً الاحتفاظ بميس حاولت أن أزرع حبي داخل قلبها. لكنه كان ممتلئاً حتى الثّمالة. هي من اعترفت لي بذلك. في البداية جن جنوني. كدت أن أقتلها. لكن بعد تفكير عميق وجدت أن لها قلباً بل حديقة تشتعل بشتى

روايات · الصفحة ٩١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٩١٧