- وماذا فعلت ابنتي. انكم تتجنون عليها. اخرجوا من بيتنا. إنكم قليلوا حياء فقاطعها الرجل:
- احفظي لسانك أيتها العجوز!
وأشار إلى رجال الشرطة، فتوجهوا نحو قاسم الذي احتج:
- هذا ليس عدلاً. أنا لم أفعل شيئاً ولن أذهب معكم.
فقال الرجل بلهجة صارمة وهو ينظر إلى فاطمة.
- ونحن لا نستشيرك في الذهاب. ستأتي معنا وسنطلق سراحك حين تأتي أختك وتسلم جواز سفرها.
اقترب منه رجال الشرطة فتراجع إلى الوراء نظرت الأم إلى المختار متوقعة أن يفعل شيئاً، لكنه كان صامتاً مطأطئاًً رأسه، فاتجهت بسرعة نحو قاسم وأمسكت به تحاول حمايته، فدفعها أحد رجال الشرطة بقوة لتقع على الأرض صارخة، وصرخت معها في تلك اللحظة مريم وهي تراها ملقاة على الأرض عارية الرأس فركضت نحوها والأم ما تزال متشبثة بقدم قاسم الذي كانت زوجته قد راقبت المشهد في البداية بصمت لكنها لم تتوقع نهاية كهذه، فتقدمت محاولة تخليصه من بين أيديهم وتراجعت إلى الوراء، حين دفعها أحدهم بقوة. أما الآخر فاتجه فوراً بعد أن دفع الأم وراح يشدها من ثوبها إلى الخلف كي تفلت قدم ابنها.
ولم تستطيع مريم أن ترى أمها التي تقارب الستين من عمرها ملقاة على الأرض عارية الرأس والشرطي يشدها، فتقدمت بسرعة لتدفعه بعيداً عنها بعنف وأنهضتها.
ورأت مريم وحشاً جديداً كشر عن أنيابه.
وحشاً سمعت عنه الكثير لكن عينيها لم تتحسساه من قبل
كان يختلف عن كل الوحوش التي صادفتها
كان أكثرهم بطشاً وقسوة
كان أوقحهم وأعنفهم
كان أضخمهم وأشرهم
جروا قاسماً وأجلسوه في سيارة الجيب التي قدموا فيها
انطلقوا وبقيت زوجته تلطم وجهها وتبكي. أما الأم فقد أرادت أن تفرغ كل ما أصابها من إهانة وحزن وحنق في لعنات ودعوات كثيرة أطلقتها وراءهم.
لم يدم اعتقال قاسم طويلاً، فقد أطلقوا سراحه بعد يومين حين تدخل زوج شماء وعين محامياً. وتسلمت فاطمة دعوة رسمية لمراجعة دائرة المخابرات. فتوجهت إلى هناك في الموعد المحدد تاركة جواز سفرها في البيت. وحين عادت عند الظهيرة سردت تفاصيل تحقيقهم معها، وقالت إنهم أصروا على أن تسلم جواز سفرها، وحين يئسوا هددوها بأنه وإن بقي في حوزتها فإن ذلك لن يعني إمكانية حصولها على وظيفة بعد التخرج.
بقيت فاطمة بعد تلك الأحداث كئيبة مهمومة وباتت تميل إلى الوحدة حتى إن إنهاء مريم للمدرسة ونجاحها بتفوق لم يبعثا في نفسها فرحاً كبيراً.
20