تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

…يقولون ان شاباً آخر من القبيبة استشهد معه.. تنهدت الفتاة وهي تضرب كفاً بكف، مرددة بلهجة يمتزج فيها الاستنكار بالأسى:

…- يا خسارتك يا محمد المغاري ..!

…- لم يفرح بشبابه بعد ..

…- وهل ترك لنا الانكليز أفراحاً ؟

…- والمسكينة فاطمة. انظري إليها هناك.. يا لحظها التعس ..

…- ألا تعلمين أنها مجنونة بحبه ..؟

…- أعرف ذلك. لقد سبق أن خطبها كثيرون قبله، لكنها رفضتهم جميعاً.

…- تعنين أنها كانت تحبه حتى قبل أن يقرأوا فاتحتها ..؟

…- هل هذا وقته يا سهام ؟

…- أنا لا أقصد، لكن صدق من قال (إجت الحزينة تفرح ما لقيت لها مطرح) ..!

…- ماذا تقصدين إذن ..؟ ثم لم لا تحبه؟ إنه شاب ممتاز في كل شيء. وهو شجاع لدرجة المخاطرة بحياته.. وها أنت ترين ..

…- كان الله في عون أمه ..

…- وفاطمة ..؟

…- فاطمة تنسى مع الأيام. وهي جميله لن تعدم من يتقدم لطلب يدها غداً ..!

…تعالت في الخارج أصوات، وقامت جلبة. توجهت نحو باب الدار مستطلعاً. كان هناك عدد من الجنود الانكليز يدفعون برجال من أهل القرية أمامهم، وقد سددوا بنادقهم إلى ظهورهم، يصيحون برطانتهم العجيبة، وكان واضحاً أنهم يكيلون الشتائم ويطلقون التهديد والوعيد ..!

…ذلك (أبو حسين الشرقاوي) بينهم. وهذا (أحمد الجمل)، وذاك (ابو داود) صاحب مقهى (الاستقلال الوطني). ولأن هذا الأخير يمت لوالدتي بصلة قربى، كنت أعرف أنه من الثوار. لقد كانت لهؤلاء الرجال صورة مثالية من البطولة والهيبة في مخيلتي. أحس أن شرخاً أصابها ..! تساءلت في حيرة :

….. لم لا ينقضُّون على أولئك الجنود الذين لا تبدو عليهم امارات شجاعة خارقة؟ بل إن مظهرهم لا يوحي بالبطولة و لا بالشجاعة أو حتى بالرجولة. الخوف بادٍ على وجوههم بجلاء، على الرغم من البنادق التي في أيديهم. لا أعرف أسباب هذا الذي يجري ودواعيه. لماذا يجب أن يعاني الناس هكذا؟ أن يموتوا؟ أن يهانوا؟ أن يفقد الأطفال آباءهم ...؟

…أولئك هم يبلغون الطريق العام، حيث وقف رتل من السيارات العسكرية على جانبي الطريق. يأمرونهم بالصعود إليها في خشونة وعنف فيصعدون. ترى إلى أين يمضون ..؟ بل ماذا سيصنعون بهم؟ ولأني كنت أفكر بصوت مسموع، فسرعان ما سمعت الرد يأتيني من رفيق لي كان قريباً مني:

…- سينقلونهم إلى المحطة.. وهناك يقتلونهم ..! يوقفونهم على الجدار ويطلقون عليهم الرصاص ..!

…- كيف؟ ولماذا ؟

روايات · الصفحة ٣٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٣٨٨