تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أجبته: ((وسفح الجبل، والفصل ربيع)). / ثم ابتسمت هَزَّ رأسه مرات عدة، وغمره فرح عظيم: ((تقدم ملموس)). نطق: ((هذه الحالة عند أصحاب ((الحرفة)) تسمّى بقارورة الشوق إلى لقاء الحبيب الأعلى)).

قلت في الحال: ((عمر طويل)). قهقهة هذه المرة بصوت عال... ثم صمّت

تركته ساكتاً بصمته، يتأمل رؤاه بإمعان كأنها صور مدروجة أمامه في كتاب.

من جهتي طن في أذني صراخ ملأ كياني. قاتل الله الشيطان. هذا الصوت مألوف لدي منذ زمن، بل أعرفه حق المعرفة. ولكن من أين أتٍ؟ من الداخل أم من الخارج. المهم سمعت: أين تركتني يا أسعد؟

بالمقابل بدأ صراخ آخر يزمر في كياني أيضاً. كان مؤلماً كطعنات أخذت تتناوب على خاصرتي.

إشفاق احتدم في شعوري.

ولا أدري، كيف نظرت إلى أسفل الجبل والأرياف المنتشرة على مدى العين. وجدتني كأنني استعدت من (بنك) الزمن ما قد استلفه مني، منذ ثلاثين عاماً. التقت عيناي قامة هيفاء. تمشي متباعدة الخطا. واثقة القدم في درجها. رفعت نظري:

ـ ((آه....! يا لتلك الوردة التي لا تنسى! كانت هي. رؤية قلبي الأولى)). و:

ـ ((مرحباً (رهيجة)...((. / وتحركت عواطف جمة.

بل أضحت كالحائط الذي يصدم الوجه. عذراً يا ((شيخي)) كنت شاباً بعد أن تركت المدرسة. إنني بلا رؤية. بل انفعلت العروق في جسمي. وخرج من أنفي شيء سائل قان. تحسسته بيدي، دون أن تراه عيناي الزائغتان. لم أصابني كل هذا؟.

هو من جهته تنهد، وقال: ((ما زال إحساسك قوياً يا أسعد. لا بأس هذا إنسانية...))!

ثم تابع:

ـ ((الإنسان يكون أحياناً كتلة من العواطف. وحزمة من الأعصاب... ولكن يجب أن توظّف في سبيل الحقّ والخير والفضيلة...))

بل أخذ يوسع وظيفتها في سبيل تحقيق الرغبة الإنسانية الخالدة، في الوصول إلى ((الملأ الأعلى)) الذي ما زال الإنسان يسعى إليه، منذ بدء الحقيقة ونشوء الخليقة...

*** *** ***

حقيقة حصل تقدم لي معه، في الزوبعة الأخيرة من عمري، بعد أن تطحلب بي الزمن، وكسا صخور غربتي، وبراري وحشتي. قبل أن يدعوني ((طيفه)) في ذياك الحلم.

(تابعيتي) له في سائر ((أقمصته)). أنارت لي متاهاتي. وأعترف أن هدايتي في أصيل عمري كانت شفاعة منه. وكرامة له من لدن العناية الإلهية...

ـ ((وأنت لك كرامتك، يا أسعد)). / والتفتُّ حولي وجدته واقفاً ينتظرني. ابتسمت له. ومنعني من الانحناء، وتقبيل يديه. مشينا نحو باب سور المعبد.

تابع:

روايات · الصفحة ٢٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رواياتص ٢٣٩