تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والكنيسة القبطية لا تفوّت حدثاً يمكنها من خلاله إبراز دورها في الحياة المصرية، والتأكيد على أن مسؤوليتها عن الأقباط ليست مجرد مسؤولية روحية، بل هي مسؤولية اجتماعية وسياسية، وكأنها دولة داخل الدولة، وآخر ما قرأناه في ذلك؛ اعتراض الأنبا شنودة على حكم محكمة الجنايات بسوهاج حول قضية أحداث قرية الكشح، حيث برأت المحكمة ساحة غالبية المتهمين وأدانت فقط أربعة من المسلمين وأصدرت في حقهم أحكاماً تتراوح بين السنة والعشر سنوات.

وقد ثبت أن المتسبب في تلك الأحداث هو الجانب القبطي، حيث بدأت بسب تاجر نصراني لدين امرأة مسلمة اختلفت معه على سعر حذاء، ثم قام بضربها وإيقاعها على الأرض حتى انكشف جزء من جسمها، ثم تطور الأمر إلى مواجهات دامية بين المسلمين والنصارى، شارك فيها من الجانب القبطي بعض القساوسة، حتى إن قساً يسمى جبرائيل عبد المسيح كان يشارك في إطلاق النار على تلاميذ المعهد الأزهري بالقرية، ومع ذلك لم تقدمه النيابة العامة للمحاكمة، ولذا فقد استبق القاضي النطق بالحكم بتلاوة بيان حمّل فيه هذا القس وقسين آخريْن "المسؤولية الأدبية عن تصعيد الأحداث في الكشح على نحو بشع"، مطالباً "صناع القرار في الكنيسة أن يتخذوا من الإجراءات ما هو مسموح به تجاه هؤلاء القساوسة" [3].

وكان رد فعل صناع القرار في الكنيسة على هذه المناشدة سريعاً، لكنه كان على النقيض مما طلبه القاضي، فبعد يومين فقط من النطق بالحكم سُئل الأنبا شنودة في ندوة عقدت بمعرض القاهرة الدولي للكتاب عن هذا الحكم فضرب بيده على الطاولة وقال في صرامة: (كل ما أريد أن أقوله في هذا الموضوع أن تلك الأحكام مرفوضة، وأن الكنيسة ستلجأ إلى الطعن فيها أمام محكمة النقض بكل الطرق القانونية الممكنة) [4].

هذا مع أن قانون الإجراءات الجنائية في مصر لا يجيز الطعن في أحكام البراءة إلا للنيابة العامة، ثم إن الكنيسة من الناحية القانونية ليست طرفاً في النزاع، وهي في ظل القوانين المصرية هيئة دينية روحية، وليست وكيلاً قانونياً عن الأقباط حتى تقوم بالطعن في حكم يُزعَم أنه قد أضر ببعضهم، لأن القانون يسمح فقط برفع الدعاوى وتقديم الطعون لمن له مصلحة مباشرة في ذلك، ولا أظن قيادة الأقباط جاهلة بمثل هذه القواعد القانونية، ولكنها محاولة كما أشرنا لتأكيد دور الكنيسة في الحياة العامة، وإثبات مسؤوليتها السياسية والاجتماعية عن الأقباط، كما أنها أيضاً محاولة لممارسة ضغوط سياسية من أجل دفع النيابة العامة للطعن في تلك الأحكام.

مقالات عن النصارى · الصفحة ٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مقالات عن النصارىص ٣١