تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد هذا الحساب اليسير جدا مع الأستاذ التازي ننتقل إلى ما كتبه الأستاذ علي الصقلي في نقد ((صرخة الجزائر)) وإلى ما كتبه الحلوي في التعقيب عليه، وإلى ما كتبه هو في الرد على ((تعقيب)) الحلوي.

والحقيقة إننا نجد أنفسنا في كل ذلك أمام أسلوب قديم في النقد، بم يعد له اليوم مجال في الدراسات النقدية الأدبية، أو لم يعدو أن يكون جزء من عمل الناقد الحديث.

إنه النقد اللغوي الذي يتتبع سقطات الشاعر في النحو أو الصرف أو العروض، أو تفتش عنها أحيانا في تمحك وتكلف لا مبرر له.

ونحن لا ننكر أن سلامة الأداة، اللغة، عامل أساسي في تقدير قيمة العمل الأدبي. فالعمل الأدبي شكل ومضمون معا كما يقول النقاد المحدثون، أو لفظ ومعنى كما كان يقول النقاد القدماء في كثير من البساطة والتواضع.

وشاعر أو أديب من غير أداة، لا يعود أن يكون شاعرا أو أديبا ((بالقوة)) لا ((بالفعل)) كما كان يعبر الفلاسفة اليونانيون والمسلمون.

ولسنا ندري ما إذا كان الأسلوب الذي كتب به الحلوي ((تعقيبه)) هو أسلوبه في النقد، أو أنه اضطر أن يلجأ إليه، مجاراة للأستاذ الصقلي، ما دام في مجال الرد عليه.

مهما يكن فإن المطلوب من الناقد ـ وهذا قد أصبح من قبيل المعروف بالضرورة ـ أن ينظر إلى العمل الأدبي ككل، وأن يساعد قراءه على النظر إليه ككل أيضا، وأن يحاول مساعدتهم على فهمه فهما صحيحا، ثم على تذوقه، وذلك بأن ينقل إليهم الأثر الذي خلفه في نفوسهم جميعا، إلا من حيث القوة، وإلا من حيث كون الناقد ـ وهو أديب ـ يستطيع أن يعبر عن ذوقه وانفعاله واستجابته أكثر مما يستطيع مطلق القراء.

وعند الفراغ من كل هذا، وعند تقويم الأثر الأدبي، أو تقييمه ـ كما يقول النقاد المتحدثون عن خطأ أو عن صواب، لا أدري! عند كل ذلك، لا بأس أن يحاول الناقد التنبيه على المخالفات اللغوية إن كانت، وإن كانت من القلة بحيث لا تفسد العمل الأدبي، أما إن كانت كثيرة كثرة ملحوظة، فإن العمل الأدبي يفقد بذلك أحد عنصريه الأساسيين: الأداة. ولا يبقى من ثم، موجب للعناية به أو نقده أو الوقوف عنده، لسبب بسيط، وهو أنه ليس أدبا.

ونحن بالرغم من اتفاقنا مع الأستاذ الصقلي في بعض ما أخذه على الحلوي في قصيدته ((صرخة الجزائر)) لا نقره على (الأسلوب) الذي نهجه في نقدها، كما لا نقر الأستاذ الحلوي على أسلوبه في الرد عليه، لقد كان عليه ـ على الأقل ـ إذا اضطر إلى مجاراته أن ينبهه إلى الأسلوب الذي ينبغي له أن يتبعه في النقد، والذي ذكرنا طرفا منه قبل الكلام.

ننتقل بعد ذلك إلى الأستاذ (هو) في ترحيبه وتعقيبه.

ولن يغني شيئا عن الأستاذ (هو) ما أكده وأشهد الله عليه في بداية هذا الترحيب والتعقيب، من أنه قضى ليلة تفضل بالتعليق عليه، وتناول إنتاج معظم كتابه وشعرائه، ومن ضمنهم ((الحلوي)) في قصيدته ((تحية الشعر للدكتور طه حسين)) ومقطوعته ((تطوان)).

لن يغنيه ذلك شيئا، لأن نقد عمل أدبي واحد، قد لا تكفي في تحضيره وإعداده ليلة كاملة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بعدة أعمال أدبية.

إن النقد عمل إيجابي، إنه خلق، إنه ابتكار، إنه معاناة، إنه ليس فأسا للهدم، وإنما هو يد صناع كريمة تبنى في أناة وتمهل وروية، وبعد تفكير عميق.

إما أن تقضي ليلة واحدة تقرأ فيها مائة صفحة، أو تستعرضها، ثم تقوم في الصباح لتحرر مقالا في ((النقد)) وتظن أنك قد فعلت كل شيء، وإنك قد بذلت مجهودا ستحق منك أن تؤكده وأن تشهد الله عليه، فدعني إّذا جاز في حق الكاتب الناشئ الذي يسيطر عليه الغرور، والذي يأخذ الخاطر على أنها فكرة، فإنه لا يجوز في حق كاتب مارس الكتابة عشرين سنة أو تزيد.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٠٦