تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، لقد تفضل الأستاذ التازي في مقارنته المضحكة بين ((صرخة الجزائر)) و ((ونصف ساعة)) فعرض علينا نموذجا من قصيدة ((نصف ساعة)) مقطعين كاملين، وذلك من قصيدة تتكون من نحو ستة عشر مقطعا، وتشكل في مجموعها عملا أدبيا واحدا، قيمته في مجموعه، وفي تجاوب أجزائه، وموسيقاه، ومعانيه، والمشاعر التي تتردد فيه.

وأنا أصف هذه المقارنة بأنها مضحكة، لا لأني أرى ((نصف ساعة)) أقل من أي تقارن بقصيدة ((صرخة الجزائر)) كعمل أدبي يستحق الوقوف عنده، ولكن لأنني لا أقبل المقارنة أبدا بين شيء أعرفه تمام المعرفة، وشيء أخر أجهله تمام الجهل.

ولسبب آخر هو أنني لا أجد مجالا ـ على الإطلاق ـ للمقارنة بينهما، لأن إحداهما تقف في أقصى الطرف الأول، والثانية تقف في أقصى الطرف الثاني، كما يقول الدكتور عبد العزيز الأهواني في مقاله المنشور في هذا العدد تحت عنوان ((العدد الماضي في الميزان)) وذلك في الحديث عن ((تحية)) الحلوي، و ((أناشيد الأحرار)) للطنجاوي.

أحد الشاعرين شاعر تقليدي لا يختلف اثنان في مذهبه الشعري، وثانيهما ينهج نهجا حديثا في الشعر، ولا زال يقف فيه على قدميه، كما أن هذا النهج نفسه، لا تعرف له حتى الآن قدمان يقف عليهما.

ذلك نهج مطروق معبد السبل، والحلوي يسير فيه ثابت الخطى، عارفا بمواقع أقدامه، واثقا من قدرته على السير فيه، والثاني لا يعدو أن يكون محاولة لتطوير الشعر العربي، وهي محاولة تستحق الإعجاب، فقد برز فيها حتى الآن شعراء هم في طريقهم إلى النجاح، وبعضهم قد أدرك حظا كبيرا منه، كنزار قباني، الذي يأبي إلا أن يملأ الجو الشعري البديع الذي بخلقه، بالجيف والنتانة والدود، وما إلى ذلك من هذه الصور التي تذكر بالشاعر الفرنسي الرمزي (بودلير) في ديوانه (أزهار الشر)

وشيء آخر، هو أن هذا الكلام الذي كتبه السيد التازي تحت عنوان ((بين قصيدتين) لا يمكن أن يكون مقارنة، وإنما هو ضحك على دقون القراء، وقد أدرك السيد التازي نفسه ذلك، فقال في آخر مقاله، لأنه لا يعتبر هذا الذي كتبه مقارنة بين قصيدتين أو بين شاعرين! ونحن نطلب منه أن يسميه لنا، إذا لم يكن يقصد به المقارنة، أو لم يكن عبثا مسموما ينفس به رغبته في الكلام، أو يزاول به هوايته في الضحك على القراء.

أما (نصف ساعة) للطنجاوي فنحن أكثر تقديرا لها، وآية ذلك أننا لم نقرأها ((خطفا)) ولم نتردد في نشرها بنصها الكامل على ما هي عليه من طول، وقد نشرها قبلها للطنجاوي ((أناشيد الأحرار)) ونحن معجبون باستعداد السيد الطنجاوي في ميدان التجديد فيه، ولكن ذلك لن يحملنا على إهدار كل موهبة أخرى، وكل مذهب آخر في الشعر.

لقد قلنا رأينا في الموضوع في المقدمة التي كتبناها (لأناشيد الأحرار) قلنا أننا لا نستطيع أن نطلب من الشاعر أن يكون تقليديا، أو أن ينهج نهجا حديثا، وإنما الذي نطلبه منه هو أن يكون شاعرا أولا، لا ((مهرجا)) وإن يجيد في المذهب الشعري الذي يختاره لنفسه، أو الذي يفرضه عليه استعداده وثقافته وتربيته وبيئته ومحفظوه من الشعر، ومثله الأعلى، وما إلى ذلك من عشرات العوامل، التي تجعل من الشاعر تقليديا أو رومانسيا أو رمزيا أو غير ذلك

وبعد، فقد كنت أقصد ألا أطيل مع السيد التازي، ولكني وجدت كشف حسابه طويلا جدا، فلأكتف الآن بهذا القدر من المحاسبة، ولي للموضوع ((عودات كثيرات))، لا لأنني أريده لشخصه، ولكننا لأننا مسؤولون جميعا عن نفي التزييف والغرض من ميدان الحركة الأدبية، التي أعتقد أننا مطالبون جميعا بالعمل على تدعيمها، وإرساء قواعدها منذ اليوم الأول متينة سليمة من كل عيب

وقبل أن أودع الأستاذ التازي، فليسمح لي ـ ما دام يحرص على أن (يترجم) لنا في الإذاعة الوطنية كلام أستاذه وأستاذي الدكتور محمد مندوب ـ أن أهدي إليه هذه ((الحكمة)) من كتاب (في الميزان الجديد) للدكتور مندور نفسه، وهو يعرف جيدا هذا الكتاب، بل أنه يكاد يستظهره.

يقول الدكتور مندور:

((خير للإنسانية أن تؤدي نفس واحدة رسالتها ولو نقطة نقطة، من أن يملأ الناس آلاف الصفحات المستعارة)).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٨٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٨٠٥