تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودخلت مواضع كثيرة فيها آثار للأول فتأملتها)، ثم إنه يعبر عن نفسه بلفظة (الناظر) عوضا عن (المؤلف) إفهاما منه أنه شاهد ما يصف ونظره بعينه.

ولكنه من جهة أخرى لا يتبع طريقة أصحاب الرحلات في التحدث عن حوادثهم الخاصة، فإنه لا يذكر تاريخ دخوله المدن التي يزورها، ولا تاريخ خروجه منها، ولا يذكر من تعرف بهم مدة سياحته، إلى نحو هذا مما تشتمل عليه الرحلات.

وأما أسلوبه فهو أسلوب أديب، مما يجعله أقرب إلى مؤلفي الرحلات منه إلى الجغرافيين كالإدريسي وغيره.

وإننا لا نعرف مؤلف كتاب الاستبصار، إلا أنا نرجح أنه كان مغربيا، وذلك لأسباب منها أنه يعتني بكيفية خاصة ببلاد المغرب الأقصى، ويتوسع في وصفها وإيراد أخبارها، منها أنه كان لا شك يقيم بفاس لما جمع كتابه هذا سنة سبع وثمانين وخمسمائة، لأنه كثيرا ما يذكر هذا التاريخ عند ما يقول عن شيء إنه الآن على الحالة الفلانية، ويشرح ذلك بقوله: (ونحن سنة سبع وثمانين) وفي كلامه على فاس ورد هذا التاريخ مع ما يشعر بمقامه إذ ذاك بفاس، وقد أتى عن هذه المدينة بتفاصيل كثيرة بالنسبة لعادته في الاختصار وأطنب في مدحها وفي الرد على ما ينقص من أهلها.

وهذا ما كنا نعرفه عن مؤلف الاستبصار قبل اكتشاف النسخة الكاملة التي أشرنا إليه آنفا، فقد ورد فيها عند كلامه على مراكش قوله: (1) (وجلب الخليفة الإمام (عبد المومن) المياه من أودية (درن) وغرس بحيرة عظيمة بقربي المدينة مثل نفيس، دورها ستة أميال، و بنى فيها وبخارجها صهريجين عظيمين، كنا في تلك المدة نعوم فيهما، فلا يكاد القوم منا يقطع الصهريج إلا عن مشقة، وكنا نتفاخر بذلك).

وهذا يدلنا على أن مؤلف الاستبصار نشأ بمراكش وقضى طفولته وشبابه بها، مما لا يترك لنا شكا في مغربيته، وربما استطعنا أن نستنتج من هذا النص، أنه كان من أهل مراكش من بيت يمت إلى الدولة الموحدية بسبب، إذ يظهر لي من خلال كتابه أنه كان من جملة ركاب الخلفاء الموحدين، لا ندري بأية صفة، ولكنا كثيرا ما نراه يصف معسكراتهم وتنقلاتهم وصف مشاهد، وهو لا يفتر عن مدحهم والثناء على مآثرهم، وعلى كل حال فكيف ما كان الأمر، فإن كتابه يعطينا أكمل صورة عن حالة الأقطار التابعة للدولة الموحدية أيام بلوغها ذروة المجد والعظمة.

(وكلمة التوحيد والهداية ـ كما يقول صاحب الاستبصار (2) متصلة من ((طرابلس)) إلى مدينة ((غانة)) و ((كوكو)) من بلاد الصحراء)، فهو لا يستغني عنه لدراسة هذا العصر.

ومما ورد فيه عن مدينة فاس مما يؤيد أيضا أنها كانت العاصمة الكبرى إذ ذاك للبلاد المغربية قوله عنها بعد أن عنون الفصل بقوله: (قاعدة بلاد المغرب مدينة فاس كلأها الله أعظم مدينة من مصر إلى آخر بلاد المغرب). ثم يقول: (وهذه المدينة قصر بلاد المغرب، بل وبلاد المشرق والأندلس، لاسيما في هذا الأمر العزيز أبد الله دوامه) والأمر العزيز في اصطلاحهم إذ ذاك هو الخليفة الموحدي والخلافة الموحدية. وقال عند كلامه على مدينة ((سلا)): (وهذه المدينة قد شرفها هذا الأمر العزيز وكرمها مما أحدثه فيها من المباني الرفيعة والمنارة البديعة، وما هي وقت مرور المحلات عليها إلا من عجائب متنزهات الدنيا، لاسيما في الأعوام الخصبة والفصول المعتدلة، وناهيك في ساحل طوله نحو الميلين وعرضه نحو الميل، مملوء بالبشر والزوارق في الوادي بركابها، والمنارة المطلة، وعلقات الثمار، وقباب الجلوس للسادات أيدهم الله ظاهرة من المدينة، وما هي في أوقاتها إلا أحسن من ديار مصر، وما يحكى من دجلة والفرات، فإنا لله على الفناء والممات).

ومما يستفاد من هذا الكتاب زراعة قصب السكر بالمغرب أيام الموحدين، وصناعة السكر، حيث يقول عند كلامه على وادي (ماسة) بالسوس الأقصى (3): (وعليه القرى المتصلة والعمائر الكثيرة والبساتين

(1) ورقة 102 أولى، من نسخة السيد المختار السوسي.

(2) ورقة 77 أولى ـ 77 ثانية من نسخة السيد المختار السوسي.

(3) نسخة الخرانة الأولى ورقة 84 أولى.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٧٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٧٢٤