دعوة الحق، س.2، ع1 /شتمبر 1958 .................... ص 84
مطالعات وآراء
كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار
تفضل الأستاذ الكبير السيد محمد الفاسي مدير الجامعة المغربية فكتب لمجلة (دعوة الحق) هذا المقال القيم عن كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار.
ويهمنا أن نذكر بهذه المناسبة أن عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في زيارته التي قام بها إلى المغرب بدعوة من وزارة الخارجية المغربية، قد أهديت له نسخة مصورة من هذا المخطوط النفيس.
ونحن إذ نشكر الأستاذ السيد محمد الفاسي على أن أتحف المجلة بهذا المقال القيم في التعريف بمصدر من المصادر المهمة، التي لا زالت لم تعرف بعد طريقها إلى المطبعة، نرجو من سيادته كعالم منهجي، ورائد من أكبر رواد الحركة الفكرية في المغرب، ألا تشغله مهامه كمدير للجامعة المغربية، عن مواصلة مجهوداته في ميدان الكتابة والبحث والتأليف.
كما نرجو باسم قراء هذه المجلة ألا يكون هذا البحث الذي ننشره اليوم لسيادته، إلا فاتحة لبحوث ومقالات كثيرة، يتحف بها المجلة بين الحين والحين، كما وعد سيادته بذلك.
دعوة الحق
كنت نشرت في مجلة (الثقافة المغربية) بحثا عن كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار لمؤلف مجهول، ولم نكن نعرف من هذا الكتاب إلا نسخة مكتبة جامعة (فينة) عاصمة النمسا، حتى حصل صديقنا العلامة الكبير الأستاذ محمد المختار السوسي على نسخة كاملة، استفدنا منها فوائد جديدة عن المؤلف وعن حالة المغرب الأقصى أيام ازدهار الحضارة الموحدية، فكان لزاما علينا أن نضم هذه المعلومات الجديدة إلى ما كنا كتبناه من قبل، وعسى أن نوفق إلى العثور على ما يزيح الستار عن هذا الذي يظهر أنه كان له مقام في البيئة العلمية.
وكتاب الاستبصار هذا من الآثار الأدبية العلمية التي ظهرت في العصر الموحدي الثاني، وهو مؤلف جغرافي أدبي، جمع بين نوعي كتب المسالك والممالك وكتب الرحالات، لأن ترتيبه وكيفية عرضه لمسائله يشبهان كتب الجغرافية، ثم إن مؤلفه زار جل البقاع التي يتحدث عنها، فيصفها غالبا عن مشاهدة كأصحاب الرحلات، فنراه يقول مثلا بعد أن ذكر الطريق بين (توزر) و (نفزاوة) (1): (وإذا دخل المسافرون هذا الطريق في أيام الصيف يكادون يهلكون من حرارة الملح، ويرجع ماؤها وهو في الزقاق ملحا لا يقدر على شربه، إلا أن تمزج بالسكر أو العسل، رأيت ذلك وشاهدته).
ويقول عند كلامه على مغارات في مرسي تونس (2) (والناس يتنافسون في الدخول فيها، فمن جسر على الدخول فيها بالليل علم أنه جرئ قوي القلب، وقد دخلتها بالنهار مع أصحاب لي فرأيت منظرا هائلا) وقال عن (قسنطينة) (3): (وهذه المدينة من إحدى أعاجيب العالم، قد دخلتها مرارا وتأملت آثارها