تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونحب أن تشير كذلك الى أن هذه القصيدة قد نسيت لصاحبها أيضا، كما نسيت للمتوكل الليثي، وهذا البيت بالخصوص وجد في قصيدة للاخطل ونقل السيوطي عن تاريخ ابن عساكر انه للطرماح، وانظر شرح شواهد المغنى. وفي البداية والنهاية لابن كثير: روى ابن ابي الدنيا من ميمون بن مهران قال دخلت على عمر بن عبد العزيز، وعنده سابق البربري وهو ينشده شعرا فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات:

فكم من صحيح بات للموت آمنا

آتته المنايا بغتة بعد ما هجع

فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة

فرارا ولا منه بقوته امتنع

فأصبح تبكيه النساء مقنعا

ولا يسمع الداعي وان صوته رفع

وقرب من لحد فصار مقيله

وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع

فلا يترك الموت الغني لماله

ولا معدها في المال ذا حاجة يدع

وفي الأغاني قال أبو الفرج: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا ابو غسان قال: قال عمر بن عبد العزيز يوما لسابق البربري ودخل عليه: وانشدني يا سابق شيئا من شعرك تذكرني به قال: أو خير من شعري؟ فقال هات. قال أعشى همدان:

وبينما المرء أمسى ناعما جذلا

في أهله معجبا بالعيش ذا انق

غرا أتيح له من حينه عرض

فما تلبث حتى مات كالصعق

ثمت أضحى ضحى من غب ثالثه

مقنعا غير ذي روح ولا رمق

يبكي عليه وأدنوه لمظلمة

تعلى جوانبها بالترب والقلق

فما تزود مما كان يجمعه

إلا حنوطا وما واراه من خرق

وغير نفحة أعواد تشب له

وقل ذلك من زاد لمنطلق

فهذه الأخبار تفيدنا أولا أنه كان مقيما بالشام ومن ثم كان أخده من كحول الدمشقي وأخذه عن مكحول الدمشقي وأخذ الإمام الأوزاعي عنه. وثانيا أنه كان له عند عمر مكانه وقدر، ولذلك كان يطلب منه أن يعظه وينشده من شعره الحكيم ن أو من شعره غيره، ولأنه متحققا من زهده وورعة، وانه لا ينظم ولا يروي لا ما كان من قبيل ما قيل فيه ((أن من الشعر لحكمة)).

ومن شعر سابق أيضا في المراء ومدافعة الحق:

لا تدفعن لجوجا حين تزجره

إن اللجوج له في الدفع إغراء

واغض في حسن عفو عن بوادره

فالحر فيه عن الآفات اغضاء

وقال ولعلها من تتمة ما قبلها:

لا تظهرن لذى جهل متابعة

فربما هيجت بالشيء أشياء

فالماء يخمد حر النار يطفيها

وليس للجهل غير الحلم إطفاء

وقال في ذهاب الأمم، وربما كانت هذه الأبيات كلها من قصيدة همزية من روائع سابق:

وكيف يأمن ريب الدهر مرتهن

بعدوة الدهر إن الدهر عداء

ألقي على الجيل من عاد كلا كله

وقوم هود، فهم هام وأصداء

وله في العفو والتسامح:

اذا ما كنت طالب كل ذنب

ولم تحلل أخاك عن العتاب

تباعد من تباعد بعد قرب

وصار بك الزمان إلى اجتناب

وبعد فهذا شاعر فحل من أكبر من الشعراء الذين يفاخر بهم هذا المغرب العربي ويستظهر بهم عند الحديث عن الأدب والأدباء .. وقد احتج به أهل العربية وعلماء البلاغة، وقربه الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز مما يعطيك أن شعره كان مرآة لسلوكه وأخلاقه، فهو قد أربى على أبي العتاهية المعروف بشعره في الزهد والمواعظ، سواء من ناحية تخلقه، أو من جهة سبقه إلى جعل شعره قاصرا على هذه المواضيع، فلا تقول فيه أنه أبو العتاهية المغربي، بل نقول في أبي العتاهية أنه سابق المشرقي. ورحمهما الله معا ويسر لنا الوقوف على كتاب أخباره وشعره.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦٥٨