دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 120
يوسف، فانتفاء إرادة الشر، لا يمكن إلا أن يعتبر ظرفا أو مبررا في الاتهام، ولو مع وجود ذلك الشر وتجسمه.
هذا إلى أن ظروف الحياة المترفة الناعمة، التي كان صاحب اشبيلية يشرب كؤوسها حتى الثمالة، والتي كانت بالطبع تتنافى مع حقيقة المصالح الشعبية الأندلسية، لم يكن من شأنها إلا أن تجسم نسبة الفوارق بين مستويات العيش في أبهاء قصور اشبيلية، وبينها في أغمات. وهل كان على يوسف أن يحيط جو أسيره بالمظاهر الحمراء أو حتى ما دونها، مع أنه كان هو عينه لا يحفل بأشد مطالبه الجسمية إلحاحا في سبيل الصالح الأعلى؟
أما القيود فهي بالإضافة إلى أن اللجوء إليها لم يكن في مفاهيم تلك الحقبة الحضارية القاصية أمرا إذا-كما يبدو الآن-قانها- ولو مع افتراض أنها ألقيت عليه منذ اتصالاته الأولى بأغمات-كانت شرا ضروريا حتمته ظروف اعتقال المعتمد، ودرجة خطره السياسي، وشدة الحذر المتبصر الذي كان معهودا في يوسف، إلا أن الواقع أن نزيل أغمات كان قد تهيأ له في معتقله-منذ البداية- جو مجرد عن كثير من عناصر العسف مما كان يلاقيه عادة المحبوسون في دهاليز القرون الوسطى (1) فلم تكن القيود في رجليه تعوقه عن السير الحر، ولم تكن الأصفاد في يمناه أو في يسراه تحد من إرادته في الحركة والتناول، بل انه كان على النقيض من ذلك ينعم بحرية واسعة تبيح له الاتصال بالزائرين والعاطفين (2) بل انه كان ينشد بعض مجالسيه، ويبثهم لوعاته المعتمدية، ويفضي إليهم بشؤونه وشجونه. وقد كلن من الجائز أن يكون في ذلك بعض التأثير على استقرار الأحوال بالأندلس وحتى بالمغرب، ولكن الإرادة الكريمة (نسبيا) تلك التي كانت تهيمن على مصايره، لم تشأ-مضحية بحق الدولة ومصالحها- أن تتذرع بذلك إلى زيارة إثقال الجو الذي كان يكتنفه داخل جدران المعتقل، والذي قضت به كما رأينا ظروف وأسباب تتصل بالصالح الأعلى، إلا أن عاملا جديدا طرا على الموقف السياسي بالأندلس، وحيث انه كان من ذيول حادثة المعتمد، فقد كان من المنطقي أن تتأثر به ظروف حياة «نزيل أغمات» تأثرا سيئا، ذلك حينما ثار عبد الجبار ابن المعتمد بأحد المعاقل المجاورة لاشبيلية (مجاورة الأنامل للراح، ظاهرا على بسائط وبطاح، لا يمكن معه عيش، ولا يتمكن من منازلته جيش، فغدا على أهلها بالمكاره وراح، وضيق عليهم المتسع من جهاتها البراح ... ) (3).
وكادت هذه الحركة الثورية تأخذ شكلا خطيرا ومهددا. وقد رافق قيامها بل كان أساسا لها حادثة سجن مالقة، إذ تمكن محبوسون من استراد الحرية بعد أن نجحوا في نقب الجدار.
لقد كانت الثورة كما رأينا رد فعل عنيف للعمل الذي قام به يوسف في الأندلس، وبدا-ولو عن طريق الظن- أن هناك تآمرا محكما على الوضع الراهن، قد يجر إذا تم له السير إلى مجراه النهائي تحرير المعتمد وقيام حالة من رد الفعل المعاكس في الأندلس، قد يفضي لا بالحضور المرابطي بل بالوجود العربي في العدوة الشمالية إلى الانمحاق، فكان لذلك من التأثير أن وضعت القيود على المعتمد، وحددت حريته تحديدا دقيقا بعد أن كان ( ... لا يروع له سرب وأن كان آمنا ولا يثور له كرب ولو كان في ضلوعه كمنا .. ) (4) وهذه التدبيرات وقائية احتياطية أن لم تكن مشروعة من وجهة النظر الفلسفية المجردة، فهي-على الأقل- كذلك باعتبار الجوانب السياسية ذات المنطلقات الأخلاقية العادية.
وقد يزيدها معقولية ما بدا على المعتمد غداة قيام الثورة، من حالة نفسية مضطربة متميزة- كما لمح ذلك بعض المراقبين- بشوق زائد وحنين جامح إلى العودة لدست الحكم في قاعدة اشبيلية وعلى ضفاف الوادي الكبير، ولكن تلك التجليات الروحية والاشراقات الوجدانية، وشكان ما استحالت إلى أسف عميق على
(1) حين كان الهدف من مراكز الاعتقال: التنكيل بالمعتقل وتعذيبه، لا مجرد تحديد نطاق حريته وتقييد إرادته، وكم لهذه المراكز الآن من نظائر في أرض الجزائر المجاهدة في سبيل حريتها واستقلالها.
(2) وكان فيهم بعض الأسماء اللامعة كالأديب أبي بكر اللباني «أحد شعراء دولته المرتضعين درها، المنتجعين دررها ... » على حد تعبير صاحب الفتح.
(3) هذه عبارات صاحب الفتح، وهي مغنية في التدليل على مدى الخطورة التي كانت تكتسيها الثورة.
(4) شهادة من صاحب الفتح، وهي أدل من أي شيء آخر على حقيقة الجو الطيب الذي كان يحوط المعتمد -بداية الأمر- في معتقله قبل انطلاق شرارة التمرد.