تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 119

والواقع أن هذه النقطة بالذات هي من أكثر النقط متانة وأوفرها دلالة في إقامة الحجة على يوسف، فقد كان الأمير المرابطي في واقع الحال، أقل عاطفية وأكثر صرامة في مسلكه مع «الملك الأسير».

على انه أن جاز تقدير هذا الجفاف في المعاملة من الوجهة الأخلاقية الفلسفية، فغنه لا يسوغ مطلقا اعتباره من وجهة الخلق السياسي القويم، فقد كان على يوسف-شأن كل فاتح- أن يكون على درجة من التيقظ والتبصر، وقد كان طبيعيا بموجب كل هذا أن يحتاط-لصالح إقرار الوضع الجديد في الأندلس- بتحديد حرية المعتمد وتقييدها في جدران أغمات، فغبن عباد وان لم يكن هناك-شان غالب ملوك الطوائف- ما يبرهن على شعبيته الكاملة في بلاده، فإنه لم يكن ثمة ما يكفه عن الاستفادة من عطف بعض الأنصار والمستنفعين والمتنفذين في إثارة مظاهر الارتباك السياسي، في بلاد كانت سلفا تكاد أن تنفجر تحت تأثير التصادم الجنسي والديني بين التيارين المتواجهين فيها: الايبرى المسيحي، والعربي الإسلامي.

وقد كان «الخلفاء» من آل العباس أكثر جدا من يوسف قسوة واشد منه ضراوة، وذلك في سبيل تأمين خططهم السياسية والعسكرية (المنصور: أبو مسلم الخرساني-الرشيد: البرامكة-المتوكل: العلويون) بل أن الأول منهم لم يتورع عن ركوب متن المخاتلة والغدر السافر، دون أن يلاقي ذكره من ذلك، ما صادفه ذكر ابن تاشفين من تلويث وتلطيخ، الآن الضحية كان في الأولى فارسيا بينما كان في ثانية عربيا ينتمي إلى البهاليل الشم العرانين، من المناذرة ملوك الحيرة

وقد يجوز القول بأن الأمر كان في حق المعتمد أشد إيلاما وأعمق تأثيرا من القتل نفسه، لأن الألم هنا يتصل بالصعيد النفساني، الأمر الذي قد تعنف خطورته وتثقل وطأته، بالنسبة إلى ربائب النعمة من أصحاب القصور والمحفوفين بالحشم والقهارمة والدايات. ولكن هذه قضية اعتبارية نفسية ليس ثمة من سبيل معقول على النفوذ منها لتكوين قواعد ثابتة، أو معايير ذات طبيعية شمولية، وعلة هذا فليس من الحصافة في شيء الاستناد عليها مفردة، في تكوين حكم ذي مشمولات عامة وكلية، على أن الجانب الأخلاقي من القضية ليس-فيما لو أنعمنا النظر جيدا بذي خطورة بالغة- كما يجتهد المعتمديون في إقراره، فابن تاشفين لم يكن في تصفية شخصية المعتمد إلا آسرا لا سفاكا، وقد أقدم قبله أو بعده الكثيرون على إهدار دماء أكثر براءة، وفي ظروف اشد قسوة، ولأسباب ابلغ تفاهة وابرز تعسفا، وفي مظاهر أعمق تأثيرا، ومع ذلك فلم تخلق أعمالهم تلك كل هذه الحملة الصارخة الصاخبة ...

*

وقد أفاضوا كثيرا حول نوعية الحياة المادية-المعيشية «القاسية» تلك التي أقسر على العيش فيها زوج الرميكية صاحبة الطين. غير أننا إذا اكتنهنا طريقة العيش ومستوى الليونة في الحياة التي كان يعيشها يوسف نفسه ومن إليه-على ما يبدو- من بطانة وخاصة، فإننا ندرك أن الجو المادي «المتواضع جدا» ذلك الذي أحيط به المعتمد في اغمات، لم يكن بالقياس على الحياة العامة وحتى الخاصة، جحيما لا يطاق أو سعير لا يتحمل. أن استقراء نسب التطور المعاشي الذي كان عليه المجتمع المرابطي، وعلى الأقل بعض عناصر هذا المجتمع، هو الذي يمكن أن يضبط لنا مدى عناصر التنكيل والاعنساف من غيرها في تكييف الجو الحيوي الذي اكتنف وجود المعتمد في أغمات. تقصيا من هذا الصنف ليس من شانه إلا أن يقود على إمكانية الاعتقاد بان الخشونة المعيشية، التي صادفها «ربيب القصور» في منفاه بالقرية المغربية الجنوبية، لم تكن كلها مصطنعة ومتعمدة، وغنما كان الكثير منها-أن لم ينسجم- فعلى الأقل لا تتنافر تنافرا حتميا وكليا مع نظرية رئيس الدولة والمتأثرين به من عناصر الجهاز التنفيذي العام-في تحديد طبيعة العيش الأمثل، وعلاقته بالدين والأخلاق والحكم.

أنه من الضروري أن نخلص من ذلك إلى السبيل الذي يمكن أن يبرز لنا ملامح صورة المستويات المعيشية، ه التي كانت تتوافر لوحدات المجتمع المرابطي، وإنما الذي يعني أساسيا في هذا المجال هو التدليل على أن طبيعة المفاهيم الدينية والخلقية، التي كانت تضبط في الكثير سلوك يوسف العام لم تكن بالضرورة، مما يتسق وجوانب الحياة الوردية التي كان عليها غيره من إعلام الطوائف، وهذا ما من شأنه أن يكون له بالطبع كثير من الانعكاسات الأوسع مدى على منسوب الرفاء في حياة أولئك الذين كانت تضمهم جدران مراكز الحجز والإقامة الإجبارية، كما كان الشأن في اغمات.

وإذا تم تأكد ذلك، فغنه من شانه أن يزيح كثيرا من سحب الاتهام الذي أحيط به في هذا المجال ذكر

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٦١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٦١٥