وهذا ما نحن في أشد الحاجة إليه لا سيما وقد انفتح في وجوهنا باب المعارف على مصراعيه، ولم يبق بيننا وبين الإشراف على غاياته سوى التوجه عن حماس وصدق، كان الأجانب الذين أضلهم الإسلام بظله يفخرون على العرب بتاريخهم وحضارتهم ويروون لهم أفعالهم المجيدة في ماضيهم، فاضطر العرب إلى ابتكار تاريخ لهم يستطيعون به الوقوف بإزاء هذا الفخر الأجنبي ويظهرون لأبنائهم وغيرهم من الأمم أنهم وان كانوا حديثي عهد بالحضارة ليسوا أقل من الأمم الأخرى مجدا ومكانة، وكان هذا من دواعي ظهور الكتابة التاريخية في الأمة اليونانية.
كان نظام الحكومة الإسلامية وخاصة النظام المالي من العوامل التي أدت إلى قيام الحركة التاريخية وانتشارها، لأن الضرائب (الخراج) على البلدان المختلفة تتباين حسب فتحها صلحا أو عنوة أو بعهد.
وكانت المعاملة السياسية والاجتماعية نفسها تختلف في بعض البلدان تبعا لما حدث في أثناء فتحها فدعا كل ذلك والنظام المالي خاصة إلى بحث تاريخ الفتوح والاهتمام بهذا الفرع من التاريخ.
ودعا النظام المالي إلى نشوء فرع آخر من التاريخ، وكان ذلك لأن نظام العطاء تغير منذ عهد الخليفة عمر الفاروق-حيث صار بحسب الأسبقية إلى الإسلام، أي أن الذين أسلموا في أول الدعوة يأخذون من العطاء أكثر مما يأخذ من أسلم بعدهم، ومن أسلم وهاجر يأخذ أكثر من المسلم بعد الهجرة، ومن أسلم وشهد بدرا أخذ أكثر من لم يشهدها من الذين أسلموا بعدها، وهكذا. فكان هذا النظام سببا في البحث الدقيق في الدعوة الإسلامية وانتشارها، كما كان العطاء مرتبا أيضا حسب الأنساب- أي يبدأ بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب، ثم قرابة أبي بكر ثم عمر، وهكذا فالأنصار فجميع المسلمين.
ومن الواضح أن هذا النظام يدعو بطبيعته المنضبطة إلى البحث في الأنساب، التي كان من حداقها وحاملي رايتها العربيان -دغفل بن حنظلة نسابة العرب، وزيد بن الحارث:
أحاديث من أبناء عاد وجرهم تنورها العضدان زيد ودغفل
نعم كان في المقدمة الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ومن هذه المعرفة نشأ هذا النوع من التاريخ، كما ظهرت كتب الطبقات.
ثم ابتدأت حركة التأليف في العلوم الأخرى المعروفة بين العرب لذلكم العهد الفتي حتى أننا نجد الصحاري العبدي يؤلف كتابا في الأمثال، ثم يتطور الأمر بمرور الزمن فتترجم بعض كتب الكيمياء في عهد خالد بن يزيد بن معاوية -وله هو نفسه كتب منها كتاب الحرارات، وكتاب الصحيفة الكبير، وكتاب الصحيفة الصغير، وكتاب وصيته إلى ابنه في الصنعة. أما الكيمياء التي ترجمت بعض كتبها له فقد كان بعض علماء السلف يحذر منها ويجعل تعاطيها من السحريات التي تفضي بالأشياء إلى قلب حقائقها- وليس السحريات بشيء ومن ضمن الحركة التأليفية أن عمر بن عبد العزيز أمر بجمع الحديث وترجمة كتاب في الطب، كل هذه الحركات تدل على أن العقل العربي كان يعاني تحولا خطيرا، وانه أخذ في التحضير والتمدن السريعين، والمشاركة في التدوين والتأليف، (وابن الجريح أول الذين دونوا الكتب لنا تدوينا).
ولا ينسينا هذا ما كان من عناية في الجاهلية بالأنساب والأيام بل ازداد قوة في العهد الإسلامي بما كان الشعراء يقومون به في ميدان الفخر والهجاء والنقائض التي شاعت في هذا العصر، وكان لها المقام الأول في شعر الفحول، كما أن هذا النوع من التاريخ اتخذ لونا جديدا أيضا، هو العناية بغزوات الرسول. فما كان ذلك النوع من التاريخ إلا استمرارا لما عهد عند الجاهليين إلا أن الإسلاميين دونوا والجاهليين حفظوا ورووا.
وإننا لنعلم في نفس الحال -أن هناك كتبا مقدسة- هي التوراة والإنجيل والفرقان-. ونعلم كذلك أن معظمها قصصي ديني- وهو يختلف عن القصص السياسي أو التاريخ السياسي في أنه يتناول فقط تاريخ الحركات الدينية، وان تناول الحالة السياسية والشخصية والاجتماعية فإنما يتناولها من ناحية علاقتها بالناحية الدينية فحسب.
وهذه نفس الحل في التاريخ السياسي القديم فهو يتناول الحركات السياسية والاجتماعية والحربية، وان تناول الحال الدينية فإنما يتناولها من ناحية السياسة.
لهذا نرى التاريخ السياسي لا يشير إلى ظهور بعض الأنبياء ولا يعرفنا عنهم شيئا مما دعا بعض الناس إلى التشكيك فيهم واعتبارهم أشخاصا وهميين -ولم يتعرض المؤرخون لإبراهيم ويوسف وموسى عليهم السلام، كما لم يذكر مؤرخو الرومان شيئا عن عيسى وبدء حركته.