دعوة الحق، س.6، ع10 /يوليوز 1963 .................... ص 19
اندهاش الفكر أمام آيات القرآن
للأستاذ: عبد الله الجراري
بعد ظهور الإسلام وبزوغ نوره الوضاء على أرجاء المعمور -انتشرت حركة تاريخية جعلت تتسع وتنتظم شيئا فشيئا حتى خلفت لنا ثورة أدبية من أغنى ثروات الأدب العربي كانت من أهم العوامل وأبرزها في هذا البعث.
هي أولا اضطرار المسلمين لتفسير الآيات القرآنية ومعرفة مناسباتها وأسباب نزولها والمكان الذي نزلت فيه و الحادثة التي تشير إليها وما إلى هذا المعنى الكريم الذي يعد من ضروريات الوصول إلى الهدف الأسمى الموجود حول النص وثنايا سطوره.
ومن الجلي أن معرفة هذا النوع يحتاج إلى بحث تاريخي -في حوادث الإسلام.
كان التفسير لهذا المدلول من العوامل التي دعت إلى تدوين التاريخ والعناية به.
والقرءان الكريم ذاته قد أكثر من الإشارات إلى الأمم والقبائل والأنبياء في قصصه عن الغابرين فكان لهذه الغاية الشريفة ظاهرة جلية حفزت علماء الإسلام لفهم مضامين تلك الإشارات وتوضيحها.
وكان الإسلام في حياته وتعاليمه قد أظل كثيرا من اليهود والنصارى -فلجأ إليهم المسلمون ليعرفوهم بتلك الإشارات وما تحتويه من رموز وغايات- وفعلا أخذ هؤلاء يحدثونهم بقصص التوراة و الإنجيل وشروحهما الشيء الذي دفع المسلمين لربطها بالتفسير والتاريخ.
واشتهرت هذه الأخبار-باسم الإسرائيليات- التي كانت تضم في رواياتها وأخبارها غنا وسمينا وخرافات ينبو عنها المنطق السليم، ويتجلى هذا المعنى بأجلى مظهر في كعب الأخبار، ووهب بن منبه -حتى أن آثارهما لا تزال قائمة في كتب التاريخ التي بين أيدينا- بل كان وهب بن منبه التابعي الشهير أول من ألف في قصص الأنبياء وسيرهم، وكان كل ما يروى عنه فيه ما فيه من الأساطير التي نشأت عن بني إسرائيل ومن على شاكلتهم، كما أن السنة والحديث كانا بدورهما من عوامل تدوين التاريخ- إذ عنى المسلمون بجمع الأحاديث ليفسروا بها القرءان ويستنبطوا منها أحكام الدين، وهو معنى الآية «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم» وكان من هذه الأحاديث جملة وافرة تتعلق بحياة الرسول عليه السلام والصحابة الكرام فجمعت فيما جمع حيث أصبحت بعد أساسا لكتب السيرة والمغازي.
أدرك بعض الخلفاء أنهم في حاجة ملحة إلى نبراس يهتدون بهديه في حياتهم وسلوكهم إذ لم يكن رأوا ممالك أجنبية بهرتهم حضارتها فتشوفت نفوسهم التواقة وأحبوا أن يعرفوا كيفية سياستها ونظامها في ظرف كثرت فيه المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية شأن الدول لأول عهودها كما هو واقعنا اليوم الذي نعيش في أحضانه.
نعم نشأ عن ذلك هدم نظام الخلافة وإقامة نظام الملك مكانه. وواجه العقل العربي -الذي كان ساذجا بسيطا في جاهليته مشكلات حقيقية- منها ما يمس الدين والحضارة -ومنها ما يمس الحياة العادية والاجتماعية، أشياء عرفته أن لابد من الاستعانة بأخبار من سبقه ليستنير بها، وهذا المؤرخ المسعودي في كتابه (مروج الذهب) الجزء الثاني ص 52 يقول عن معاوية أنه كان بعد أن يفرغ من عمله: (يستمر إلى ثلث الليل في أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها، وسياستها لرعيتها، وغير ذلك من أخبار الأمم السالفة، ثم يدخل فينام ثلث الليل، ثم يقوم فيقعد فيحضر الدفاتر، فيها سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد، فيقرا ذلك عليه غلمان له مرتبون، وقد وكلوا بحفظها وقراءاتها، فتمر بسمعه كل ليلة جمل من الأخبار والسير والآثار وأنواع السياسات.