يكون في استمتاعه بهذا الجانب، وفي تحصيله الدنيا، قاصدا وجه الله. ومعنى وجه الله في ذلك أن لا ينحرف بالدنيا إلى الفساد والاعوجاج، أي لا يتخذ مما يحصل عليه من جاه الدنيا وما لها وسيلة لإثارة العبث والفساد في المجتمع، وهذا معنى قول الله: «ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين».
أما في دائرة المجتمع، أي في دائرة علاقة الفرد بالفرد فإن الإسلام وضع نظاما للأسرة، وهي أقل وحدة من وحدات المجتمع، وضع نظاما للتزاوج وللزوجية، أي لإشراك فردين في حيادة واحدة لغاية واحدة، ونظامه في هذا لا يقضي على فردية الاثنين، ولا يطلب صهر أحدهما في الآخر، لأنه يعلم أن الخصائص الفردية، وهي ما لكل فرد على حدة، باقية لا يمكن أن تفنى ولا أن تفنى ولا أن تذوب في خصائص فرد آخر، وكل ما طلبه الإسلام في هذا الشأن هو أن يكون هناك انسجام وتعادل بين الطرفين، لا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يستهين أحدهما بالآخر، ولا يذل أحدهما الآخر، وإنما يسيران جنبا إلى جنب كما تسير الأجزاء المتناسقة في وحدة واحدة. ومن هنا جعل لكل من الطرفين في الزوجية حقوقا وواجبات. «ولهن مثل الذي علهين بالمعروف وللرجال عليهن درجة»، فالمماثلة في الواجبات والحقوق إذن قائمة بين الاثنين. أما هذه الدرجة التي تذكها الآية وتجعلها خصيصة أو ميزة في جانب الرجل فليست إلا تلك القوامة التي تشير إليها الآية الأخرى: «الرجال قوامون على النساء»، وهذه القوامة ليست عبارة عن سلطة وسيادة، وإنما هي قيادة وتوجيه، ولم يجعلها الإسلام في جانب الرجل الحياة الخارجية لا تستطيع المرأة بحكم طبيعتها أن تقوم بها كقاعدة وإن أمكنها القيام بها على سبيل الاستثناء. إذ طبيعة المرأة بحكم أنها تحمل وتلد هي في رعاية حملها، وفي جانب ولدها، وهي من أجل ذلك لا تتفرغ للحياة الخارجية كما يتفرغ لها الرجل بحكم طبيعته. لذلك كان السعي لحفظ حياة الأسرة وصيانتها أمرا يجب أن يتكفل به الرجل ويسأل عنه. وإذ كان وضعه على هذا النحو فمن غير ما شك يجب أن تكون له قيادة، وأن يكون له توجيه. والحدود الأخرى التي وضعها الإسلام في معاملة الرجل للمرأة تمنعه من أن يستغل هذه القوامة، أو يسئ إلى المرأة: «الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان». فطلب الإسلام الإحسان في الإبقاء على الزوجية، كما طلب هدا الإحسان نفسه فيما لو أراد الرجل أن يفارق امرأته. والمؤمن صاحب الخلقية الدينية -بحكم أنه مؤمن وصاحب خلقية دينية- لا يكون إلا محسنا، لا يستغل ولا يسئ استخدام ما وكل إليه من قيادة وتوجيه، وإذن قوامة الرجل هي محض توجيه وإخلاص فيه لصالحهما معا.
ولم يشأ الإسلام -لأنه يبقى على فردية الفرد ولا يدع أحد الاثنين ينصهر في الآخر- أن يجعل الزوج بحكم هذه القوامة مستغلا لزوجته فيما تعطي أو فيما تملك أو فيما تعتقد وترى. شيء واحد يجب أن تحرص عليه المرأة وهو أن لا تسئ عن طريق ما تملك أو تعتقد إلى زوجها، ألا تقصر في أداء ما عليها من واجبات كما أنها لا تتوانى في المطالبة بما لها من حقوق.
وإذا تجاوزنا دائرة الزوجية إلى أسرة القرابة فإننا نجد الإسلام يطلب كذلك أن يكون هناك توازن وتعادل بين أسرة الزوجية، يقول الله تعالى: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ... ». «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا. إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما». «ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا». فطلب الإحسان في معاملة ذى اللقربى، وأكد هنا هذا الطلب في معاملة الوالدين خاصة كما طلب الإحسان في معاملة أحد الزوجين للآخر، وهذا ضرب من الإحسان يمثل أرقى وأرفع مستوى إنساني في المعاملة ولاشك أن ما يتحمله الآباء في سبيل الأبناء بوحي بأنه ينبغي أن يكون موقف الأبناء منهم على ما يطلبه القرآن الكريم.
أما الآباء في موقفهم من الأبناء فلم يوصهم الإسلام هنا على نحو ما أوصى الأبناء قبل الآباء لأن الإسلام يعتمد على العلاقة الطبيعية بين الجانبين وهي علاقة قوية من جانب الآباء نحو الأبناء، ولا تماثلها في القوة علاقة الأبناء بآبائهم. وكل ما أوصى به الإسلام هنا هو ألا يفتتن الآباء بالأبناء. يقول الله تعالى: «إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم. فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم».
وهكذا إن تركنا أسرة الزوجية وأسرة القرابة الخاصة إلى القرابة البعيدة نجد الإسلام ينصح بالتعاطف والتراحم، كما ينصح بأن يشرك الغني الفقير في ماله. يقول الله تعالى: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ... الآية».