تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رقابة السلطة التنفيذية، فإن الفرد بدوره يتهاون في أداء الواجب، وهو ما يحتم عليه القانون أداءه وتفرضه عليه السلطة التنفيذية.

وإذن فالمجتمع الذي لا يعتمد على قوة دينية دافعة في أفراده -كالخلقية الدينية- يتوقف العمل الجماعي فيه على قوة السلطة التنفيذية، وعلى دقة مراقبتها لتنفيذ القانون الذي وضع لهذا المجتمع. والدولة الحديثة، تتحمل عبئا ثقيلا في سبيل الحصول على مثل هذه القوة التنفيذية وعلى مثل هذه الدقة في مراقبتها.

وفرد المجتمع الحديث يشعر دائما وأبدا بأنه مسوق ومدفوع بقوة القانون، ويشعر كذلك بأن حريته محدودة واختياره محدود، لأنه شبه مجبر على ما يفعل ويؤدي من عمل. بينما الفرد في المجتمع صاحب الخلقية الدينية -كالمجتمع الإسلامي في نظام تكوينه- لا يشعر بمثل هذا الضيق النفسي، بل يشعر بأنه هو الذي يدفع نفسه وأنه لذلك حر فيما يندفع إليه.

والحرية الفردية على هذا النحو في المجتمع صاحب الخلقية الدينية عامل في البناء، وعامل في إتقان العمل: أن الحرية في العمل والدفع الذاتي نحو الفعل تصحبها دائما رغبة وبجانب الرغبة متعة كذلك. ولذلك حاول بعض الأخلاقيين المثاليين في المجتمع الأوربي في القرن الثامن عشر أن يضع خلقية ذاتية تقوم على فكرة: «أداء الواجب لذات الواجب». وشاعت هذه الخلقية المثالية في الشعب الألماني على الخصوص، وعرفت هذه الفكرة بفكرة «كانت» أو بالواجب الخلقي. ومع أنها خلقية دافعة نحو العمل من ذات الإنسان دون رقابة القانون الوضعي وما يصحبه من قوة تنفيذية -فإنها تفترق عن لخلقية الدينية التي يريدها الإسلام للمجتمع الإسلامي، والتي هي أساس لتماسك المجتمع الإسلامي وتعاون أفراده. لأنه مهما كان الأمر فلا يغيب عن أذهاننا أن أساس القوة الخلقية المثالية هو تصور عمل الواجب من الإنسان للإنسانية. وشتان بين قوة تعتمد على الاعتقاد بالله وأخرى تقوم على تصور الإنسان للإنسانية. فالاعتقاد بالله من شأنه أن يبقى، أو أن يطول أجله على الأقل، بينما تصورات الإنسان. ويسهل عندئذ أن يتغير تصور الإنسان من لون إلى لون آخر.

هذه الخلقية الدينية التي تقوم على العناصر الثلاثة للإيمان: الإيمان بوحدة الله، وبرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، وباليوم الآخر، هي إذن قوة مثمرة في أن يحسن الإنسان سلوكه وأن يحسن في تعامله مع غيره. وإذا أحسن الإنسان في سلوكه وفي تعامله مع غيره لم يكن التعاون بين الأفراد أمرا ممكنا فحسب وإنما نتيجة حتمية بينهم. بل سيؤدي إلى الشعور بالأخوة، وإيجاد الألفة القائمة على المحبة. وهنا يكون التساند والتماسك.

مضمون الرسالة الإلهية:

وبما أن الإيمان بوحدة الله الذي هو عنصر في تكوين الخلقية الدينية هو في واقع الأمر إيمان بالتحرر من الخرافة، والاعتقادات الباطلة، والذلة، والمهانة، وإيمان بالمستوى الرفيع في الإنسانية، وهو مستوى العزة والكرامة -فالإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام ليس في واقع الأمر إيمانا بشخصه كإنسان. وإنما هو إيمان به كصاحب رسالة وكحلقة في تبليغ وحي اله إلى الناس. وإذا كان مضمون هذه الرسالة تخطيطا لسلوك الفرد، ولحدود التعامل بين الفرد والفرد في المجتمع، فالإيمان بالرسول عندئذ وبرسالته هو اتباع لتنفيذ مضمون هذه الرسالة، أي لتنفيذ حدود الاستقامة في السلوك وخطوط المعاملة بين الأفراد.

وإذا رجعنا على مضمون هذه الرسالة وما رسمته من حدود وتخطيطات فسنجد أن ما صنعته في ذلك يهدف إلى التعادل والتوازن بين ثنائية الفرد وبين الفرد والفرد في المجتمع. إذ الفرد (وإن كان في مظهره وحدة واحدة) في واقع أمره يتكون من جانبين متقابلين أو متنازعين: يتكون من الحكمة التي توحي بالاعتدال، ومن الهوى الذي يوحي إليه بالتطرف والخروج عن حد الاعتدال، يتكون من عقل وجسم، وكل منهما له اتجاهاته وميوله، وهنا نجد رسالة الإسلام في هذه الدائرة، وهي دائرة الفرد، لم تنكر اتجاها من هذين الاتجاهين. وأن ما حددته في ذلك شأنه يكفل التوازن بينهما: «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض. إن الله لا يحب المفسدين». فهذه الآية نرى منها أن الإسلام يقر طبيعة واقعية مثالية. فبينما لا يحول بينه وبين الاستمتاع بالدنيا، وهذا ما يتصل بالجانب المادي. إذ به يطلب من الإنسان أن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٥١٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٥١٩٣