دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 22
لما وراء المادة، فكيف انزل بهذا الدين العظيم على دينكم هذا الخرافي الذي يزخر بالهمج الرعاع الأنذال مفترسي التيوس حية، واكلة الجمر المتوقد والأحناش في الأسواق؟ فهل تعدني عاقلا أن أردت أن انزل بدين الفلاسفة العظام من العلماء الغربيين على أن أضعه إزاء هذا الدين الهمجي؟ اتدعوني على هذا ثم تراني من ذوي الألباب؟
فقلت: اتئد عافاك الله ولا تستعجل، ولا تمدن لسانك في دين لم تعرفه بعد، ولا تؤاخذ أهله بسلفه ينتسبون إليه انتساب سفلة الغربيين على المدينة الغربية التي ترى لها ما ترى من سمو المدارك ورجحان العقل، وإلزام الفضيلة، فبحسبك أن تعرف هذا الدين من أسسه ومن أصوله ومن منابعه الخالصة، ثم لك عقلك بعد ذلك، فأما أن تقبله فتكون احد أهله، فالحق أحق أن يتبع، وأما أن تزداد بصيرة فيما أنمت عليه الآن، وتعض عليه النواجذ على الأبد. أقول له هذا وهو مطرق إطراقا يسوده الصمت والسكون.
فقلت له: ارفع راسك، وقل ما بدا لك بكل حرية، فأنني لا أزال لك اليوم كما كنت لك أمس، وهاك يدي عهدا وثيقا أن هذا الدين أن لم يظهر لك وأقنعتني بأنه ليس بدين الحق ولا بدين المدينة، أن أعلن على الملأ الباءة منه، ثم أضع يدي في يدك على السواء، فنبقى على مذهب الفلاسفة الروحانيين إلى الأبد.
فقال: يا فلان، قد أوقفتني والله في موقف يصعب على صعوبة عظيمة، كأنما أحاول أن احمل على كاهلي كل جبال الدنيا، فانزل بنفسي حتى أساوي بها أنفس الهمج الرعاع إذناب الإنسانية، وقمامة العالم؟ ابعد أن كنت أعدني متمدينا شرقيا ذا مبدأ عظيم احلق في أجواز الفلاسفة إلا علين المفكرين، أسف على دركات مغفلين لم يعرفوا بعد من نور المدينة الوهاج ولا من الفكر العصري الوثاب إلا كما يعرفه الحيوان الأعجم من العقل الإنساني؟ حقا انه لموقف ما مر بي مثله في كل حياتي، ولا كنت أظن قط بأنني أقف فيه يوما ما من أيام حياتي، عش رجبا تر عجبا.
فتركت الرجل يهذي هذيان المحموم، يتفجر تعصبه على أمته المسكينة بما يحتوي عليه من مقت شديد كأنما وترته أهله وماله، فقد رأينا الرجل يرضى كل الرضي أن يصبح لكل أجنبي، ثم لا يحمل على نفسه هذه الحملة أن تبين له خطاه في الإصاخة إليه، وأما أمنه المسكينة التي اشرب بين دراساته بعضها ومقتها وازدراءها واتخاذها المثل المضروب في الانحطاط والهمجية والرذيلة والجهل العميق، فانه لا يرضى حتى أن يصيخ على قولتها ليبين له أهي على الحق أم على الباطل، ولم تقدر دراسته للفلسفة ولا اعتناقه لمذهب الفلاسفة الروحانيين ولا إجالته الفكر والبحث فيما وراء المادة أن يخفف من مقته لها، فهكذا هذه الطبقة التي سقطت في هوة عميقة قلما تصعد منها إلا أن يشاء الله
فقلت له بعد ما افرغ ما في جعبته على رأس أمته: دع عنك الآن هذه الأمة وما اتصفت به، فإنما ادعوك على النظر في دينها فقط بكل عقلك، فهل تستبعد أن يكون أصل الدين صحيحا، ثم يحرف إتباع الدين ذلك الأصل، فيسقطون مثل هذا السقوط؟ فقال: لا بل ذلك ممكن، وهذا لا استبعده.
فقلت: ارايت هذه المدين التي خلبت نفسك ولا ترى الحياة بدونها، أو ليس أن أصول الفضيلة التي يرفع نباريسها الفلاسفة فيها غير ما يتمشى عليه فيه غالب أبناء المدينة، وإلا فما هذا الجشع الهائل الذي يسود هذه المدينة؟ وما هذه الأمواج الزاخرة من الرذيلة والحسد والبغضاء بين أفرادها فضلا عما بين أهمها؟ وما هذا التناحر على اكتساب الدرهم فيها تناحرا يهلك الرطب واليابس؟ فأين موقع تلك الروح كل بيئة؟ بل أين آثار النفوس التي تعير ادني أصاخه للمثل العليا التي لا يزال غالب الجرائد تفيض به أعمدتها فيضا؟ فما يكون عذرك إزاء بيئة مدنيتك من الاعذارن فهيئ منها لهذه الأمة التعسة التي حملت عليها حملتك الشعواء وصوبت نحوها سهامك النافذة، فقال: إنني اعهد منك دائما كلما تفاوضنا في شيء فخالفتك فيه، أن إنقاذ إليك أخيرا مرغما، لما لا تزال تلقبه على من براهين لا أجد غالبا مناصا من الانقياد إليها، وان لم أكن أحيانا انشرح بها صدرا، وأطيب بها نفسا فكأنك تسحرني.
فقلت له: إنني لا أجاذبك إلا من جهة عقلك، ولا أحب منك إلا عقلك وحده، وأما عاطفتك التي لا تنقاد غرائزها إلا بمالو فإنها وعاداتها فلا شان لي معها، ولولا إنني اعلم انك عاقل وانك منصف وانك تطيع لما يملي عليه عقله حججه، وان لم ترضه عواطفك، ولا طابت به مشاعرك، لما اهتممت بك اهتماما انفق فيه من نفيس عمري، ومتى كانت الحقائق بنت العاطفة والشعور؟.