دعوة الحق، س.1، ع12 /يونيه 1958 .................... ص 21
فانصرف بكليتك على ما أنت بصدده فلعل بين جنبيك كنزا لا يزال مدفوعا على الآن، أن استثمرته وزحزحت عنه ما أعطاه أصبحت من اسعد العالمين.
***
استعجلته في السفر نحو المؤتمر، وقد عرضت عليه أن نمضي الليلتين الباقيتين دون افتتاح المؤتمر في مكان اخترته ننفرد فيه ليتم لي تمهيد الرجل على ما يراد منه، فلا يلج المؤتمر حتى يكون فيه استعداد تام لقبول ما اعرف انه سيروج فيه.
كذلك فعلنا فانتبذنا عن بنيس من غير أن نتعرض لذره بطرف لسان، ولما استرحنا قلت لحماد: إلى ما وصلت غليه في البحثين الأخيرين اللذين دارت حولهما المراسلة الأخيرة؟ وهل اقتنعت بأن للعقل مدى لابد أن ينتهي إليه فيقف ولا يتجاوزه؟ فان اقتنعت، ولابد أن مثلك يقتنع لان ذلك من البديهيات، فهل عندك بعد ما تقول في محاولتك إدراك حقيقة الله، وفي إنكار المعاد؟
فقال: أن الحقيقة أن مجالات العقل وان كان يظهر أنها فيحاء متسعة ليست كما يتبادر بادئ بدء، فقد أمنعت وحاولت أن أجد لكلامي الذي كنت قلته أولا دعامة، ولكنني رجعت بخفي حنين، فالإنسان ضعيف، قصير مدى العقل رغم انفه، وأن كان متى أدرك قوة ما، يرى نفسه قطب الكائنات وسيد العالم ومدير السماء والأرض، وإما مالا ذكر من إدراك حقيقة الله، فأنني اقر لك إنني لا ادري شيئا من تلك الحقيقة، لعجز عقلي وقصور مداركي، وإنما عرفت بما قلته من أن الفلاسفة ما ذهبوا على أن الله متميز عن العوالم الكونية وعن النوع الإنساني إلا لقاعدة عندهم: أن المثل يتعرض دائما لما يتعرض له مثله، فكل مثلين لابد أن يسيرا على خطة واحدة، فلما وجدوا أن الأكوان تتغير بالوجود والفناء، أيقنوا أن الله الذي منه تغييرها بقدرته، لابد أن يخالفها فلا يتغير، فليس الله إذن مثل الأكوان كلها، فكان متميزا بذلك عن العوالم الكونية وعن النوع الإنساني، وقد ظهر ليس إنني صرت اقتنع شيئا فشيئا بما ذهبوا إليه.
وأما قضية المعاد فأنني بعد أن نظرت وبحثت واستفرغت جهدي، اقتنعت تمام الاقتناع به، لما ذكرته لي في جوانب الأخير، وهي أدلة عقلية بديهية عند ذوي الألباب، وقد تعجبت من نفسي كيف غفلت عنها.
فقلت له: إذن أنت تعتنق الآن مذهب الفلاسفة الروحانيين اعتناق الموقن بأحقيته، فتقبل كل ما ذكره (جول سيمون) و (كارو) في بنود تلك الديانة؟
فقال نعم، ولي الفخر بان أدركت ما يدركه أمثال هؤلاء الفلاسفة العظام، وانأ الآن أعجب غاية العجب من نفسي كيف كنت اجهل هذه الديانة العظيمة التي هي تاج المدينة ولباب أبحاث عظماء الفلاسفة، فانا الآن اشعر بأنني اليوم غير أمس، عقلية وإدراكا وسعة نظر، فأين ما لنا فيه ألان من أنظار واسعة تجول فيما وراء المادة الصماء، فأتغلغل حيث تتغلغل أنظار أمثال (جول سيمون) و (كارو)، مما كنت فيه قبل في تلك الحياة التعسة حياة البطالة واللعب والجري وراء لذات المادة، فباليت كل من كنت معهم غذ ذاك، أدركوا مثل ما أدركت، ليتذوقوا مثل ما أتذوقه الآن في مذهب هؤلاء الفلاسفة الكبار، فلو رأيتني عشية أمس، وأنا أقرا مقالات للفيلسوف (فلامريون) لرأيتني أسبح في سعادة وحبور وهناء لم أكن لأجدها بين المغازلات والمراقصات.
فقلت له لعد محادثات طويلة في لن سعادة المرء لنما هي حقيقة فيما ينبعث من أثناء صدره: الآن وقد أدركنا حقيقة ما أدركه الفلاسفة الغربيون العظام، ينتظرنا بحيث مهم هو من تتمة موضوعنا هذا، فهناك هذه الأديان التي انبعثت من المشرق ثم انتشرت في أرجاء العالمين القديم والجديد، أو لا ترى أن هذا الدين الذي يضم عليه أخوك السيد العربي يديه ضمة البخيل كفيه على درهميه، ينبغي أن يبحث فيه، وأنا وكل أهل هذه الأقطار الشرقية نتدين به، ونرى له أعظم وأكثر مما ترى الآن لديانة الفلاسفة الروحانيين، ولا يخفى عنك أن المؤتمر الذي سينعقد في الغد، سيكون هذا الدين محور أبحاثه.
فقال: اوليس لن المؤتمر إنما نعقده للمناظرة في حالتي أنا وفي حالة أخي السيد العربي آيتهما أليق لهذا العصر؟
فقلت: أو تجهل أن أخاك السيد العربي لم يتكيف إلا بأحوال دينه الذي ارتضاه وجعل في يديه مقاليده، كما انك لم تتكيف كذلك إلا بالأحوال التي اتخذتها لك دينا وارتضيت لك أفعالها، وجعل فيس مبادئها مقاليدك؟
فقال إنني اليوم على مذهب دين عظيم هو لباب البحث العصري، وهو عصارة القرائح الغربية النافذة