وهلكوا، وحديث الأشاعرة المتقدم ذكره. ومن المعلوم الثابت أن نظام الإسلام لا يقبل أن يكون في المجتمع من يموت جوعا أو يحتاج مهما يكن دينه إذا كان تابعا لدولته ولذلك كان الخلفاء الراشدون يخصصون من بيت المال ما يسد الفقراء من الكتابيين غير المسلمين كما كانوا يسدون حاجة الفقراء من المسلمين.
ولم يبق هذا الاتجاه كلاما عاما ومواعظ أخلاقية، بل فصله الفقهاء أحكاما تنفذ ويعمل بها الحكام ويستفيد منها الناس ويجدها الباحث مفرقة في كتب الفقه في أبواب عديدة كما يجدها في القواعد العامة، والصقها بموضوعنا الضرر يزال، ولا ضرر ولا ضرار، ويتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام، ومثلوا لها بوجوب نقض الحائط المملوك الذي مال إلى طريق عامة دفعا للضرر العام. ومن هذا الباب جواز الحجر على البالغ العاقل الحر في ثلاثة مواضع عند أبي حنيفة المفتي الماجن، والطبيب الجاهل، والمكاري المفلس، وعلى السفيه مطلقا عند الصاحبين دفعا للضرر العام (*) وليس الحجر إلا تقييد حرية المحجور عليه في أمور هي الأصل من حقه شرعا دفعا للضرر الذي يمكن أن يلحقه هو أو أسرته أو المجتمع العام، ويذهب ابن تيمية إلى أبعد من هذا فيستنتج من كون بعض الصناعات كالطب والنجارة ضروريا جواز إجبار أصحابها والمختصين بها على العمل إذا امتنعوا وكان الناس بحاجة إلى صناعتهم ويعطون أجر المثل (*)
ونضيف إلى ما تقدم للدلالة على أن الاشتراكية لا يراد بها دوما مذهب كامل حتى تتنافى مع الإسلام ويمتنع وصفه بها، بل في كثير من الأحيان على اتجاه عام ونزعة تشترك فيها مذاهب مختلفة أنه نشأت في أوروبا أحزاب تحت اسم الاشتراكية ولو كانت الاشتراكية مذهب قائم بنفسه لما أمكن أن تجتمع مع المسيحية في شعار واحد وأن تكون وصفا لها. ومع كل ما ذكرنا من وجود نزعة توافق الديمقراطية والاشتراكية في الإسلام فإننا لا نرى أن نجعل هذه الشعارات هي الشعارات البارزة وهذه العناوين هي عناوين مجتمعاتنا ودولنا التي نلخص بها نهضتنا ونصف بها حضارتنا، لأنها حينئذ تكون عناوين خاطئة وتلخيصا مشوها إذ تشير إلى بعض صفات الحضارة الإسلامية وتهمل صفات ومقومات أخرى أهم منها. إننا نغفل حين نفعل ذلك عن مبدأ أساسي خطير هو أن للأنظمة السياسية والاقتصادية في كل بلد وفي كل حضارة أسسا إعتقادية تبني عليها، وليست هذه إلا مظاهر خارجية لعقيدة أو فلسفة تؤمن بها تلك الحضارة وتقوم عليها، وليست هذه الأنظمة إلا تعبيرا سياسيا أو اقتصاديا لتلك الفلسفة وتلك الحضارة. فاتخاذ الاشتراكية عنوانا لحضارة، وصفة بارزة مميزة لدولة مبنى على فلسفة تعبير الإنتاج محور الحياة، والمادة أصل الوجود، وليس العلم والعقل إلا خادمين للإنتاج وتحسين مستوى الحياة المادي، وليس الفرد الإنساني إلا جزءا من هذه الآلة الضخمة هي المجتمع ممثلا في الدولة يخضع لأوامرها ويبقى حتى في مأكله ومشربه ومسكنه وفيما يسمع من أخبار أو يقرأ من كتب وصحف تحت رقابتها الشديدة. إن وراء هذه الأنظمة عقائد انبثقت عنها ومفاهيم ونظرات في الحياة تتصل بها اتصال الفروع بالجذور، ولذلك فإننا نجعل هذه الشعارات عنوانا وحيدا لنهضتنا ونكررها وحدها على مسامع الجمهور، إنما نعلن ضمنا أننا ندين بتلك العقائد، ونأخذ بتلك النظرات والمفاهيم في الحياة، وأننا بنتيجة ذلك نتخلى عن مفاهيمنا وعقائدنا ونظرتنا إلى الحياة المستمدة من ديننا وتراثنا الحضاري أو على الأقل نغفلها ونهملها، وفرق كبير بين أن نتخذ من التشريعات ما يكفل العدالة في توزيع الثروة وما يكفل حياة العاجزين عن كسب ما يكفيهم، وبين أن نجعل عنوان نهضتنا الأول وصفتها الأبرز هي الاشتراكية وبذلك نجر الناس إلى أن يجعلوا هدفهم الأول في الحياة رفع مستوى الحياة المادية وتحسين المعيشة، دون أن يكون لرفع مستوى الأخلاق وللقيم الخلقية والروحية أي مكان في حياتهم في نظامهم فنترك بذلك الفراغ لشتى العقائد الإلحادية والمذاهب المادية والإباحية. إن ثورة الإسلام الاجتماعية شاملة، تبدأ من عقيدة الإيمان بالله والمساواة بين الناس أمامه، لأنهم من أصل واحد وهم عباده، وتنبثق عن هذه العقيدة ومعانيها ثورة
(*) راجع القواعد العامة في كتاب الأشباه والنظائر لابن نجيم ولا سيما قاعدة الضرر يزال.
(*) راجع رسالتنا الدولة عند ابن تيمية ص 93 - 40 وهذا ما يسمى عند الغربيين تعميم العمل أو اعتباره أمرا اجتماعيا.