الفكري والعقائدي يستفحل ويتعمق بمرور الزمن، إلا أن هذا الفراغ لا يمكن أن يظل خاليا من فكرة أو معتقد ولهذا يسارع الاستعمار إلى محاولة ملء هذا الفراغ بكل ما لديه من وسائل وسيطرة ظاهرة وباطنة حتى يستعمر الأفكار والقلوب ليملك الأرض ومن عليها ...
والخطر الذي يداهم أمتنا اليوم من جراء انعدام القيادة الإيديولوجية الإسلامية هو هذا الذي يزحف زحفا شاملا على عقول ونفوس أطفالنا وشبابنا من الجيل الصاعد الذي سيكون عما قريب عنوان الأمة وقائدها، فلقد أصبح هذا الجيل ينمو في أجواء خاصة مكيفة تكييفا آسنا خطيرا على الفكر والعقيدة والحضارة الإسلامية، إنه يعد إعدادا مدروسا لكي يصبح «مسلما» من طراز عصري يحمل إسما إسلاميا عربيا ولكنه غريب القلب عن الإسلام وغريب اللسان عن العروبة.
وأن الأهمية العظمى التي يوليها أعداء الإسلام للمغرب من أجل جعله قنطرة تعبر عليها المؤامرات التبشيرية والدسائس الفكرية لتدل على مدى شعور الكفار الجاحدين للقيم الإنسانية بخطر هذه الأمة العظيمة، ذلك الخطر الذي يكمن في عقيدة المغرب المسلم، وإن أعداء الإسلام لم ينسوا الهزائم المنكرة التي منوا بها في ميدان التبشير، تلك الهزائم التي كانت أشد خطرا عليهم من هزائمهم في ميدان السلاح، وقد كان أبطال تلك المعارك جماعة من البسطاء لا يحملون سوى عقيدة بسيطة وسوى رغبة في نشرها عبر القارة الإفريقية، ولقد كانت المبشر أول من يتشاءم عند ما يسمع بأن في منطقته مسلما من ذلك النوع الذي حذره منه أسلافه الذين فشلوا في ميدان التبشير، وأنه ليصيب في تشاؤمه إذ لا يلبث هذا الصوفي البسيط أن ينقض في لحظة كل ما بناه المبشر في أعوام.
ومن المعلوم أن إفلات الأفراد والجماعات من سيطرة المبشر معناه في الحقيقة تحريرهم من قبضة الاستعمار، غير أن من طبيعة الاستعمار عدم اليأس ومواجهة الظروف بالخطط المناسبة، فهو يصارع التطور ويحاول أن يسابقه وأن يبادره بما قد يخدم أهدافه ويجعل الحاضر والمستقبل لصالحه وطوع يمينه، ولذلك لا نستغرب من الاستعمار عندما يتكرم على بعض الشعوب بالاستقلال لأن هذا النوع من الاستقلال أصبح ضمن خطة استعمارية بعيدة النظر، وفي الوقت الذي تحتفل فيه الشعوب الضعيفة بعيد استقلالها بما لديها من أبواق وأجواق وفولكلور وخطب رنانة، في هذا الوقت بالذات يشرع الاستعمار في تنفيذ الخطة الجديدة لتخريب الأمة من داخلها، ولذلك ما نزال نلفت أنظار أرباب الحضارة الإسلامية في هذا البلد، إلا أننا الآن يجب أن نحدد طبيعة المعركة بيننا وبين الاستعمار ونقدرها قدرها، كما يجب أن نحدد ميادينها ووسائلها بدقة حتى لا نظل حيارى نتيه في متاهات الارتجال والاعتباطية، وأن من أهم الميادين المستهدفة للاستعمار الجديد هي هذه الأعداد الكثيرة من أطفالنا وشبابنا الذين يحاول بهم إفساد نظرتهم للحياة وتوجيه أفكارهم وجهة لا ترضي الله، وفي القريب العاجل سيصبح هؤلاء الأطفال والشباب الجيل الكبير وسيتلوهم جيل صغير يتجرع نفس السم الذي تجرعه آباؤهم، وهكذا سيتحد الجميع في صفة واحدة إلا وهي الفراغ من العقيدة، ولهذا يجب أن نبادر نحن إلى فساد خطة الاستعمار الجديد بخطة جدية مؤمنة واعية قبل فوات الأوان، وأن المؤمنين مدعوون بكل إلحاح إلى تدارس الأمر من جميع وجوهه، وبكل حماس، وكفانا ثرثرة وجعجعة لا تغني ولا تسمن، وإن محاولة الفرار من مواجهة المسئولية الجسيمة ببعض التعويضات التافهة وباتخاذ بعض الأساليب السلبية لنصرة الإسلام لهي حجة ضد أولئك الذين يظنون أنهم يحسنون صنعا وهم في الواقع لا يزيدون إلا انكسارا أمام السيول الجارفة من خطط أعداء الإسلام، وإذا لم يكن للإسلام أنصار في الوقت الحاضر يجندون أنفسهم بالإيمان والصراحة والتضحية والصمود فمتى سيكون له ذلك إذن؟ إن الحاضر لينذر بخطر المستقبل هذا المستقبل الذي إن أخضعناه لعملية حسابية فإن حاصل نتيجته سيكون الإجهاز على الإسلام والعياذ بالله.
تطوان: عبد السلام الهراس