تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.6، ع4 /يناير 1963 .................... ص 18

قبل فوات الأوان

للأستاذ: عبد السلام الهراس

إن من طبيعة الجماهير أن تنقاد وأن تبحث عن قيادة تسير وراءها، ولم تخل أمة من الأمم من قيادة حتى الأمم المنحطة البدائية، تلك سنة الله في خلقه، وقيمة الأمة في قيادتها الفكرية، ولقد كانت القيادة في العصور القديمة بسيطة لبساطة الحياة، كما كانت تعتمد أكثر على القوة الجسمية لأن الصراع كان أقوى في ميدان السنان والحروب، غير أن التطورات الإنسانية أصبحت تفرض على القيادة في العصر الحاضر أن تتسلح بسلاح الفكرة، ذلك السلاح الذي أصبحت تعتمده الدول العظمى لغزو الشعوب الضعيفة، مستغلة فراغها الفكري وبلبلتها الروحية، مستهدفة من وراء ذلك تكوين مستعمرين جدد يؤمنون بعبودية جديدة للاستعمار وبشرعية استغلاله وبأهمية قيادته وبسرمدية تفوقه، وتكون لهم ـ أي للمستعمرين بفتح الميم ـ قدرة ونشاط على العمل لإرضاء السادة كما تجهز لهم ثقافة مختارة محددة لا تسمح لهم بالشعور بكرامة أمتهم ولا تحملهم على الحنين لأمجاد ماضيهم، بل إنها تقطع الصلة بينهم وبين تاريخهم وبين أسلافهم إلا من ثقافة محلية زورها الاستعمار وشحنها بالأكاذيب، وزيف حقائقها وقلب وقائعها وصور للوطنيين تاريخهم على نحو يحملهم على التنكر له والاشمئزاز منه والفرار من عاره وهكذا يستسلمون لأحضان ثقافة سيدهم التي هي نسيج من الأضاليل وتزييف الحقائق حيث تجعل من الرذائل صورا رائعة من الفضائل، وتسطو على كل مفخرة من مفاخر الإنسانية وتنسبها لنفسها، غير أن المهم من هذا، هو تكوين قيادة مزيفة، ولكن مؤمنة بأهداف الاستعمار الثقافي، وهكذا تبتلى الأمم الضعيفة بطراز سخيف وخطير من القيادات يجهل مبادئ الاجتماع وحقائق التاريخ، ويحاول أن يجعل من أمته أمة إن لم تكن شبيهة بتلك التي لقنته ثقافتها المجهزة، فعلى الأقل أن تحاول التظاهر ببعض مظاهرها، وبما أن شرط الإبداع والحضارة منعدم في أمة تكون قيادتها على هذا الشكل فإن المسخ هو الذي يسود حياتها بشكل مضحك ومؤلم معا.

ولا يهم الاستعمار إن تظل الأمة عاجزة عن التشبه ببلاده بل بالعكس يهمه أكثر أن تظل الأمة الواقعة تحت سيطرة كهان ثقافته حائرة تدور في الفراغ، قلقة الخطى سطحية التصاميم، لأن في ذلك فرصة له في الاستمرار والقيادة، ولهذا يلاحظ أن الأمم التي ما تزال تتعثر في سيرها، هي تلك التي ما تزال قيادتها تثبنى وتؤمن بتلك الثقافة المسمومة التي تشل الإرادة وتقيد الفكر وتجعل بعض قادة هذا النوع يتهمون أمتهم بالبلادة وبانخفاض الوعي وبعدم القدرة على التجاوب مع الأفكار التي يظنون أنها سامية، ولهذا كان من شرط نجاح القيادة أن تتعمق في فهم النفسية للأمة فهما مستقلا عن كل تأثير أجنبي أو توجيه استعماري، وبذلك تستطيع القيادة أن تقف على حقيقة آمال الأمة وأهدافها ومكامن القوة والضعف فيها وطبيعة تكوينها ومزاجها وعلاقاتها التاريخية والعقائدية والفكرية، فإن استطاعت أن تصل إلى ذلك الفهم وأن تؤمن بمبادئ الأمة إيمانا عميقا خلاقا فإنه يسهل على القيادة تعبئة الأمة روحيا وفكريا وجسميا، والإهابة بها إلى البناء والتشييد، وسترى المعجزة الجبارة التي تستطيع الأمة أن تظهرها في لحظة وجيزة من الزمن.

ولهذا لا نستغرب إن وجدنا الفشل يحالف دائما وأبدا القيادة الغريبة عن الأمة، مما يجعل الفراغ

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٤٧٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٤٧٢١